حقيقة قضية المرأة
ما أكثر الندوات التي تبحث في قضية المرأة لكنها جميعًا ودون إستثناء محشوة
بلغو الكلام وقشوره الخارجية التي لا تقترب من لب الموضوع والكشف عن جوهر
القضية موضوع البحث ولا عن أ ٍ ي من الوسائل العلمية لمعالجتها. لقد باتت خطاباتنا
حبيسة كليشيهات قديمة بالية وغريبة كليًّا عن عالم اليوم، عالمنا الجديد الذي قام على
أنقاض عوالم ما قبل الربع الأخير للقرن العشرين. أغرب ما في الأمر هو أن متثاقفينا
سرعان ما يلوون إلى الحديث عن العولمة وعن النظام الدولي الجديد ويطنبون فيه دون
أن يمسكوا بذات الوقت عن الدعوة إلى التحرر الوطني والهجوم على الإمبريالية !!
أليس من طبائع الأمور أن تنتفي مفاهيم الإمبريالية والتحرر الوطني من كل تفاصيل
وبنى العولمة والنظام الدولي الجديد؟ ثم كيف يكون نظامًا دوليًّا جديدًا دون أن يتلاشى
النظام الدولي القديم وبعوالمه الثلاث؟! على مفكرينا أن يعوا خطورة ما يقومون به من
تضليل لشعوبنا في قضاياها الكبرى إذ خير لها أن تبقى على جهلها من أن يضللها
متثاقفوها بمعارفهم الفاسدة والموهومة.
قضية المرأة تختلف عن سائر القضايا العامة الأخرى. إنها قضية إنسانية تهم كل
بني البشر من ذكر وأنثى ومن مختلف الطبقات، ثم إن المرأة وهي نصف البشرية،
وبغض النظر عن أية انتماءات أخرى لها، ترزح تحت وطأة نير مثقل بالعبودية فهي
لذلك تجد نفسها متحفزة لتحطيم هذا النير مرة واحدة وإلى الأبد. ومع ذلك فأغرب ما
يفاجىء المرء هو جهل هذه المرأة الثورية بحقيقة قضيتها. وحتى النساء اللائى يتقدمن
بقوة وثبات للدفاع عن المرأة و(حقوقها) لا يجدن ما يقلنه سوى بعض الحجج القديمة
الجوفاء التي تؤكد الجور على المرأة وتجاهل خصوصياتها. فكثيرًا ما تنادي
هؤلاء النسوة ِ ب ( المساواة بين الرجل والمرأة) أو ِ ب (الحقوق المتساوية بين الرجل
والمرأة) ثم غالبًا ما يخلصن إلى الزعم ب (الكفاءة المتساوية بين الرجل والمرأة) .
37
من اليسير تفسير عجز المثقفين في معالجة قضايا الوطن والأمة حيث أن هذه
القضايا غيرت من طبيعتها بين عشية وضحاها فلم يلحظ المثقفون مثل هذا التغيّر
المفاجئ ولم يدركوا كنهه وأغواره بعد فذهبوا في تفسير ما تعثروا به من مستجدات
مذاهب شّتى وباتوا على الأعم يلوكون ذات الخطابات القديمة. أما أن تجهل المرأة
قضيتها، قضية جنسها، وقد تجاوز عمرها الستة آلاف عام، إذ أنها بدأت مع بداية
التاريخ، فذلك أدعى للحيرة والارتباك. لِماذا لم تستشعر المرأة بحسها الجنسوي المرهف
مصدر البلاء الذي حلّ بها وأسبابه طيلة كل عصور التاريخ المختلفة، بلاء الضعة
والدونية غير الإنسانيتين واللتين تتعاكسان مع ما حبتها به الطبيعة إذ جعلتها مصدر
الحياة وسبب استمرارها ؟! لماذا لم تستشعر الأنثى هذا الخطر الذي أودى بكل جمالها
وبكل إنسانيتها وجعل منها مجرد متاع رخيص العرض؟! أيعقل أن تواصل المرأة
البحث عن مصدر بلائها وبلواها لستة آلاف عام فلا تجده ؟!
مجرد البحث عن إجابة مقنعة لمثل هذا التساؤل الاستهجاني من شأنه أن يساعد
في فك هذا الطلسم التاريخي الذي ما زالت المرأة تهرب من مواجهته مواجهة صادقة
وشجاعة. يتملكها رعب لا مثيل له قبل أن تهمّ بمواجهته فتهرب إلى ظل الرجل تستأنس
بجبروته ليعلن هذا الأخير سيادته عليها بل وامتلاكه لها واستعبادها. علينا أن نعود إلى
التاريخ ونستقرأَه منذ البداية لنتبيّن كيف ومتى حاقت كارثة الدونيّة بالمرأة. لكن كيف
ومتى بدأ التاريخ ؟.. ثمة إجابة واحدة وحيدة تقوى على أية محاكمة للعقل والمنطق
لمثل هذا السؤال المفصلي. لقد بدأ تاريخ الإنسان مع بداية أول وعي بدائي للإنسان
يترجم نفسه على أرض الواقع. الفأس الحجرية تمثل أبعد ترجمة موغلة في القدم لهذا
الوعي البدائي. وهذا يعني تحديدًا أن التاريخ الإنساني بدأ حين بدأ الإنسان ينتج ويعيد
إنتاج حياته إعتمادًا على إنتاج الغذاء أو ً لا ثم المأوى فالكساء من بعد. ما قبل ذلك وحين
لم يكن الإنسان ينتج غذاءه كان إنتاج الحياة أو استمرار بقاء الإنسان ينحصر في
ثم في النمو بالتغذية على التقاط الحبوب (Propagation) التناسل والإنجاب أساسا
38
والثمار ويضاف إلى ذلك أحيانًا بعض اللحم بطريقة الافتراس. هذا النمط من الحياة
الذي استغرق الإنسان ملايين السنين خلا من كل إنتاج ولذلك ولغياب كل علاقات
الإنتاج كانت تلك المجتمعات البدائية تقوم كليًّا على العلاقات الجنسية. وحقًا لاحظ
فريدريك إنجلز أنه " بمقدار ما تكون العملية الإنتاجية محدودة يميل المجتمع
إلى الخضوع إلى العلاقات الجنسية ".
في المجتمعات البشرية البدائية حيث اعتمد فيها إنتاج وإعادة إنتاج الحياة على
واقتصرت طرائق معيشتها (Production) دون الإنتاج (Propagation) التناسل فقط
على الإلتقاط والافتراس فإن أية حقوق للرجل لا يمكن أن تكون قد تأسست. فلم تكن
هناك وظائف معلومة له حتى دوره في الإنجاب لم يكن معلومًا. بناءً على مثل هذه
( Mother Right ) الصورة التي يؤكدها علماء ما قبل التاريخ قام "حق الأم" المطلق
وامتلكت الأم سائر أبنائها وبناتها طالما أن آباءهم مجهولون، خاصة وأن قدرات الإنسان
الغريزية ليست بقدرات بعض الحيوانات المؤهلة للتعرف على صغارها بدلالات أخرى
غير الملامح، ولعل ذلك يعود إلى تميّز الإنسان بقدرة الوعي. في مجتمعات كهذه ظل
الرجال بلا حقوق إطلاقًا، ظلوا نكرات وبلا أسماء، أشبه ما يكونون بذكور خلية
النحل. كانت العائلة تعود للأم التي تعاشر من ترغب من سائر الذكور حولها. هذا
الشكل من العائلة ربما عمّر لملايين السنين أُعتبرت الأم خلالها أصل الحياة وخالقها
فكانت الآلهة الأولى للإنسان أُنثى مثل عشتار إلهة الكنعانيين وعشتروت إلهة الفينيقيين،
إلهة تتميز بغريزتها الجنسية القوية. لم تتطور المجتمعات التي عصبها " حق الأم " إلى
مجتمعات عصبها " حق الأب " إ ّ لا قبل سبعة آلاف عام. بل إن يوليوس قيصر كان قد
في شمال إنكلترا وجنوب (Britons) تحدث قبل ألفي عام عن قدماء البريطانيين
اسكتلندا يعيشون في مجموعات تتكون كل منها من عشرة أفراد أو أكثر تحلل المعاشرة
الجنسية بين سائر أفراد المجموعة. وفي مجتمعات أٌخرى كالمجتمع الفرعوني أٌختصر
حق جميع الرجال في كل بنت من بنات المجتمع في دخول فرعون بها قبل دخول
39
زوجها. وهكذا يجب علينا أ ّ لا نندهش ونحن نقرأ في التوراة أن إبراهيم أبا الأنبياء كان
قد تزوّج من أخته غير الشقيقة سارة وأنه في مصر وقد أٌعجب فرعون بجمالها أرسلها
للقصر خدينًا لفرعون لأشهر عديدة. كما أن الفراعنة وخاصة الملوك منهم كانوا قد
درجوا على الزواج من أخواتهم وتذكر هنا الملكة حتشبسوت 1472 ق م وقد تزوجت
من أخيها غير الشقيق. أما في مجتمعاتنا العربية الشرقية فإننا ما زلنا نتذكر العريس
يضربه أقرانه من الشباب ضربًا مبرحًا بعصي الخيزران قبل أن يدخل مباشرة إلى
مخدع العروس وليس من تفسير لذلك إ ّ لا الاقتصاص من العريس لقاء سلبه لحقوق
أقرانه من الشباب في عروسه. ولعل بعض العادات التي ما زالت سائدة حتى اليوم من
مثل استئذان الرجال الأقربين في تزويج الإبنة لرجل من غيرهم أو الهدايا التي يقدمها
العريس إلى أقرباء العروس ليست إ ّ لا بعض الآثار البعيدة لإباحية الأشكال الأولى
للعائلة وحقوق الرجال في كل أنثى فيها .
السؤال المفصلي الآخر هو متى وكيف تحوّل المجتمع من مجتمع
يش ّ كله " حق الأم " إلى مجتمع يش ّ كله "حق الأب " من المجتمع الأموي )
إرتقى وعي الإنسان لدرجة ؟؟ ( Patriarchal ) إلى مجتمع أبوي Matriarchal )
أخذ معها يستخدم الأداة بفعالية أولية تمكنه من إنتاج وإعادة إنتاج قسم من غذائه وكسائه
ومأواه. لكن هذا لم يكن كافيًا لتغيير المجتمع الأموي إلى مجتمع أبوي. ظل
هو العامل الأهم في إنتاج الحياة. دخل الإنسان في الحضارة (Propagation) التناسل
الرعوية وتقدم في تربية الماشية وتنمية قطعان الأغنام لكن كل ذلك لم يدعم الرجل
في خلافة المرأة في السيادة أو في الحق المطلق وذلك لأن الرعي وتربية الماشية لا
كبيرة ولا يستهلكان إ ّ لا قوة عمل عدد محدود (Man Power) يحتاجان إلى قوة عمل
لم (Live Stock) من رجال العائلة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الماشية والأغنام
تكفِ لإنتاج كل احتياجات الإنسان للغذاء فظل يعتمد في حياته على الإلتقاط بدرجة
40
كبيرة. وبذلك ظلت المرأة العماد الأول والرئيسي لإنتاج الحياة فاحتفظت بالحق المطلق
في العائلة .
الذي امتد آلاف السنين نجح الإنسان (Paleolithic) في العصر الحجري الأول
في استخدام الحجارة لصناعة بعض الأدوات الحادة مثل النصل والفأس كما صنع بعض
الأدوات البسيطة الأخرى من الأغصان والخشب والعظام، واستعمل أيضًا صوف
الحيوانات وجلودها في الكساء وفي أغراض أخرى. مع بداية هذا العصر بدأ
الإنسان رحل ً ة لم ولن تنتهي، بدأ في إنتاج الحياة من خارج ذاته أي من خلال
كما كان الحال (Propagation) وليس من خلال التناسل (Production) الإنتاج
قبل ذلك. ليس من شك في أن الإنسان استطاع من خلال هذه النقلة النوعية أن يحسّن
من قدراته في مواجهة الطبيعة فزاد بذلك من أعداده ومن طول بقائه قبل أن يموت .
وهكذا استجد أمران هامان في ذلك العصر : فالإنسان ومن خلال وعيه دخل في
تناقض جدلي متزايد الاتساع والحدّة أبد الدهر دون توقف مع أدوات الإنتاج البسيطة
الطارئة عليه، هذا التناقض الذي يعتبر الآلية الوحيدة لنمو الوعي لدى الإنسان. والأمر
الثاني هو أن الأعداد المتزايدة لأفراد المستعمرة البشرية الواحدة جعلت من الحاجة
للغذاء حاجة ملحة تستحث كل قوى الإنسان على تلبيتها. هذا ما مهّد الطريق أمام
الإنسان للقيام بأول ثورة تقنية كبرى في التاريخ أهّلته للعبور إلى العصر
حدث هذا قبل عشرة آلاف عام تقريبًا . . ( Neolithic ) الحجري الثاني
أهم ما نجم عن تلك الثورة التقنية هو معرفة زراعة البذور واستنباتها فكان ذلك
الخطوة المهمة الثانية بعد تربية الماشية والأغنام باتجاه إنتاج وإعادة إنتاج الحياة. لكن
لم تكن حدودها تتعدى مساحة الأرض الصغيرة (Horticulture) تلك الزراعة
المحيطة بالمسكن نظرًا للفقر في الموارد والأدوات. وبذلك ظلت المرأة الأم غير
المتزوجة ( زوجة الجميع) تقود العمل وتنزل منزلة الرب الوحيد للعائلة. ولأن المرأة
41
بحكم وظيفتها الطبيعية هي المسؤولة عن إنتاج الحياة وبالتالي حمايتها واستمرارها فقد
رأت في الزراعة وسيلة فعالة لتحقيق وظائفها والقيام بمسؤولياتها. لذلك بدأت تنتهج كل
الأساليب التي تس ّ خر كل قوى العمل المتوفرة لزراعة الأرض ليس بالبقول
والخضار فقط وإنما بالحبوب أيضًا بعد أن اكتشفت أن الحبوب لا تحتاج إلى وسائل
خاصة للحفظ وأنها ذات قيمة غذائية كبيرة. طموح المرأة للانتقال من
( Agriculture ) إلى الزراعات الحقلية (Horticulture) زراعة الحدائق
نجم عن إدراكها أن للحبوب دورًا هامًا في دعم وبقاء الحياة الإنسانية .
اجتذاب الرجل إلى العمل في الزراعة الحقلية تطلب من المرأة بذل جهد كبير امتد
لألف عام أو ألفين. وقد وصل بها الأمر إلى أن جعلت من زراعة القمح ديانة متكاملة
لها آلهتها وطقوسها وشعائرها حتى أن الأضاحي التي كانت تقدم للآلهة فيما سبق
أٌستبدلت بالقمح وهي التقدمة التي ما زالت جارية حتى اليوم في بعض العبادات كما في
الكنيسة الأرثوذكسية. وتذكر بعض الألواح الأثرية من سوريا أن إرساليات دينية نسوية
أشبه براهبات الأديرة كانت ترسل إلى البلاد المحيطة بسوريا للتبشير بزراعة القمح وقد
وصل بعض هذه الإرساليات إلى اليونان وأوكرانيا ونجحت في نشر زراعة القمح هناك
حتى قيل أن أسمي نهري الدنيبر والدون مأخوذان من الآرامية بمعنى الإله أو
السيد " دون " والقمح وهو " البُرّ ".
الزراعة الحقلية ليست كزراعة الحدائق التي كانت تقوم بها المرأة وحيدة؛ إنها
تحتاج إلى قوة عمل كبيرة أو حتى غير محدودة. كان على جميع الرجال القادرين على
العمل أن ينضموا إلى العاملين في زراعة الحقول. وكان تبعًا لذلك أن تضاعف الإنتاج
أضعافًا مضاعفة حتى غدا كافيًا لسد احتياجات جميع أفراد المستعمرات البشرية آنذاك
وم ّ كن الإنسان من التكاثر والانتشار أكثر فأكثر. نموذج الإنتاج الجديد والذي اختص
بالرجل دون المرأة عمل بما حققه من وفرة على قلب المعادلة القائمة بينهما منذ بداية
التاريخ. انتقل مركز الإنتاج من المنزل والحديقة إلى الحقل فانتقل وبذات
42
“Father Right الإتجاه "الحق" من المرأة إلى الرجل وحلّ " حق الأب
بناءً على هذا الانتقال أخذ الرجل يتزوج من . “ Mother Right محل " حق الأم
عدد من النساء يمتلكهن ويحرِّمهن على غيره من الرجال كيما يضمن أن يكون
مواليدهن أبناءه بالدم ومن صلبه طالما أن هؤلاء سوف تعتمد حياتهم كليًّا على إنتاجه
هو فقط. وبناءً على هذا الحق تش ّ كلت عائلة الأب التي حّلت محل عائلة الأم، عائلة
الأب التي تشكلت من الأب الأكبر أو الجد وأبنائه الرجال وأبنائهم .
" حق الأب " أو قوامة الرجل
منذ انتهاء الزحف الجليدي الأخير قبل خمسة عشر ألف عامًا تقريبًا وتش ّ كل
المستعمرات البشرية الأولى ، منذ ذلك التاريخ وحتى الألف الخامس قبل الميلاد ، أي
لثمانية آلاف عام كانت القوامة داخل العائلة خلالها للمرأة أو الأم وكانت عائلة الأم
تتشكل من الأم الكبرى أو الجدة وبناتها الأمهات وحفيداتها منهنّ . وكان الرجال في هذه
العائلة بلا أسماء وبلا وظائف معروفة إذ لم يكن معروفًا قبل التاريخ أن المرأة لا تنجب
بدون رجل. السبب المباشر لاندثار "حق الأم" ومعه عائلة الأم هو زراعة القمح
والزراعات الحقلية، أي انتقال مركز الإنتاج من المنزل والحديقة إلى الحقل. الأم التي
بذلت جهودًا جبارة خلال ألفي عام كي تسوق الرجل مكرهًا للعمل في زراعة الحقول
والقمح على وجه الخصوص لم تكن تعلم بالطبع أنها بذلك إنما تحفر قبرًا أبديًا لحقها
المطلق ولقوامتها. أرادت خيرًا للإنسان، لتكاثره وبقائه فلما تحقق ذلك وإذا به شر
ووبال عليها. لقد أطاح بها إلى الدرك الأسفل إلى حيث كان الرجل فيما مضى، الرجل
تبدلت عائلة . (Father Right ) " الذي احتل منزلتها الرفيعة وأسس لِ " حق الأب
الأم بعائلة الأب وتبدل بذات الاتجاه الاعتقاد الخاطئ القديم القائل بإمكانية المرأة من
الإنجاب بدون رجل باعتقاد خاطئ أيضًا يقول بأن الأم إنما تستضيف ما يزرعه الزوج
في رحمها ولا تضيف إليه شيئًا من عندها حتى يخرج وليدًا كامل الخلقة. وبالطبع فإن
43
مثل هذا الاعتقاد الخاطئ يستهدف قبل كل شيء حرمان الأم من أي علاقة دم بأطفالها
وإنكار كل حق للأم في عائلتها .
المهتمون بقضية المرأة وبتحريرها لن يستطيعوا أن يساهموا بشيء ما لم يدركوا
تمامًا وبالتحديد الأسباب الحقيقية لانحطاط المرأة، لفقدانها الحق المطلق الذي تمتعت به
قبل نحو سبعة آلاف عام. كان السبب المباشر لذلك زراعة القمح وانتقال مركز الإنتاج
من المنزل والحديقة إلى الحقل الأمر الذي عنى أن الرجل قد غدا المنتج الأكبر للحياة
فحاز بذلك على الأسبقية والقوامة. خطورة هذه الحقيقة هي أنها تشكل البذرة الأولى
لقانون القيمة البورجوازي الرأسمالي. قيمة إنتاج المنزل منسوب ً ة لقيمة إنتاج الحقل،
إنتاج المرأة لإنتاج الرجل. يصر البورجوازيون على تسعير كل شيء حتى الإنسان
نفسه. كيف يمكن مقارنة الإنجاب بإنتاج الحبوب ؟ البورجوازيون يفعلون ذلك ! وثمة
ما يسترعي الانتباه في اللغة الأقرب إلى لغة السوق وقانون القيمة وهو أن كلمة
وتعني الشغل أو العمل المبذول في الإنتاج تستخدم أيضًا لتعني المخاض (Labour)
أو الجهد الذي تبذله الأم في الولادة. ولما كان الإنجاب لا يعطي ذهبًا بعكس الحبوب
فإن الرجل هو من يسوى وليست المرأة وأن الأب هو صاحب الحق المطلق بعكس الأم
التي يجب أ ّ لا تتمتع بأية حقوق .
سينكر الكثيرون أية علاقة لقانون القيمة بتدهور منزلة المرأة بحجة أن قانون
في القرن (Bourg / Borough) القيمة لم يتشكل قبل ظهور المدن البورجوازية
الثالث عشر للميلاد. صحيح أن قانون القيمة لم يتشكل بصورته الحالية الفاعلة المعروفة
إ ّ لا بعد ظهور المدن البورجوازية لكنه لم يكن غائبًا في المبادلات العينية. لقد كان يعمل
في الأعماق وتحت السطح حين كان يتبادل الناس منتوجاتهم ثوب بإردب من القمح
أو إردبّين من الشعير أو برأس من الغنم. إن مجرد عقد مقارنة بين إنتاج المرأة ويتركز
في إنجاب الأطفال وتربيتهم وإنتاج الرجل ويتركز في إنتاج السلع في الطرف الثاني من
المعادلة، مجرد عقد هذه المقارنة يعني الاعتراف الضمني بقانون القيمة. ثم ليسأل
44
هؤلاء الذين ينكرون أثر قانون القيمة في تدهور منزلة المرأة، ليسألوا أنفسهم عن أسس
القوامة الفعلية وليس القانونية أو الشرعية للرجل في العائلة العصرية. أليست هي إنتاج
الرجل بالقياس إلى إنتاج المرأة ؟ يخرج الرجل كل يوم من بيته ليخلق قيمة مضافة
جديدة في حين تبقى المرأة في البيت لتقوم ببعض الخدمات متدنية القيمة حتى وإن
خرجت فإنها لا تنتج بالمتوسط بمقدار ما ينتج الرجل. ولعل متوسط أجور الرجل قياسًا
لأجور المرأة في السوق الرأسمالية التي لا تهمل أي قدر من القيمة مهما كانت تافهة
خير برهان على ذلك، وهل يمكن تصور رجل غير منتج إطلاقًا يحتفظ بقوامته الفعلية
لا القانونية أو الشرعية على زوجته المنتجة التي تعيله وتعيل أبناءه .
النساء اللواتي تقدمن للعمل العام في سبيل تحرير المرأة يرفضن رفضًا مطلقًا
حقيقة عدم التساوي بين الرجل والمرأة. وهنّ بهذا الموقف يسئن لأنفسهن وللمرأة
وقضيتها. في الأصل تخّلق الإنسان في جنسين غير متساويين ولو أنهما متساويان لما
تخّلقا في جنسين. إن المرأة تساوي الرجل إنسانيًا فقط أي أنها إنسان كما يكون الرجل
تمامًا. والإنسانية ليست الرجال وحدهم وليست النساء وحدهنّ. إنها الرجال والنساء على
قدر متسا ٍ و. أما ما عدا ذلك فلا يجوز مقارنتهما لأنهما من جنسين مختلفين أص ً لا ولكل
منهما وظيفته الحياتية المختلفة. لكن منظومة القيم البورجوازية لا تتضمن القيمة
الإنسانية التي لا تقبل العرض في السوق. وليس من أحدٍ عبّر عن هذه الحقيقة كما فعل
الشاعر الإنجليزي شكسبير عندما قال على لسان أحد أبطاله .. " أيها الذهب يا قوّاد
العالم البشري ! ". فقط في تجريد المرأة والرجل من إنسانيّتهما يمكن البحث عن سويّة
كل منهما. هل المرأة تساوي الرجل في سوق السلع بعد هذا وكما يسألن ويجبن
المدافعات عن "حقوق " المرأة ؟ الجواب الصحيح لخيبة أمل هؤلاء المدافعات هو
النفي. ولعلنا لسنا بحاجة إلى إثبات ذلك. ففي سوق العمل وهي المقدّر الأد ّ ق للقيمة لا
تتساوى الأجور حيث أجور الرجال هي دائمًا أعلى من أجور النساء. وإذا كانت القيمة
هي التعبير السليم عن الجهد المبذول فليس من شك في أن جهد الرجل هو دائمًا أكبر
45
وأوسع من جهد المرأة وليس أدل على ذلك من الألعاب الأولمبية حيث دائمًا ما تكون
الألعاب الخاصة بالرجال أصعب بكثير من نظيرتها الخاصة بالنساء. وإذا كان الجهد هو
التعبير الحي عن كمية المواد الغذائية المحترقة في الجسم فثمة فرق كبير بين ما يأكله
الرجل وما تأكله المرأة يوميًا. رغم كل هذه الحقائق فإن المدافعات الفاشلات عما يسمينه
بحقوق المرأة ما زلن يصررن على الإدعاء بمساواة المرأة للرجل حتى وإن أدّى بهنّ
هذا الإصرار إلى تسليع المرأة إما عن طريق تجاهل القيمة الإنسانية لعمل المرأة
بالإنجاب وهو الوظيفة الأولى والأهم للإنسانية ولكل الكائنات الحيّة، وإما عن طريق
عرض هذا العمل المقدس في السوق لتسعيره. وحجتهن الأخيرة بهذا الاتجاه هو أن
التقنية الحديثة قد جعلت من دور قوة العمل في الإنتاج دورًا ثانويًا تمامًا بالقياس إلى
دور قوة المعرفة وأن المعرفة لدى المرأة لا تقل عنها لدى الرجل. يخطئن هؤلاء
المجندات الرثات في جيش المرأة مرّتين في هذه الحجة. فقوة المعرفة لن تأخذ دور قوة
العمل في الإنتاج. إن أقصى ما يمكن أن تقوم به المعرفة هو تسهيل عملية الإنتاج
وبالتالي زيادة الإنتاج لكن الإنتاج كله وبلا استثناءات تذكر سيظل مساويًا لقوة العمل
ولن ينطوي على أية قيمة للمعرفة. وأما الخطأ الثاني فهو أن المعرفة لدى المرأة لن
أكبر (Potential) تكون مساوية لها لدى الرجل . تخّلق جسم الرجل بقدرة
منها في جسم المرأة ، فلماذا يكون إذًا جهازه العصبي بالتحديد غير متناسق مع الأجهزة
الأخرى في جسمه وبقدرة أقل ؟ .. أو أن يكون الجهاز العصبي في جسم المرأة بقدرة
أكبر من الأجهزة المرافقة الأخرى ؟ ثم إن الوعي من جهة أخرى كان قد طرأ في
الإنسان مع استخدام الأداة وازداد وتطور من خلال التناقض الجدلي الذي لم ولن ينقطع
مع أدوات الإنتاج. ولما كان الإنتاج من اختصاص الرجل وأن الأدوات ظلت شغله
الشاغل طيلة التاريخ فإن الوعي وهو من خصائص الجهاز العصبي لن يكون لدى
المرأة وهي المعزولة طيلة التاريخ عن الإنتاج وأدواته مساويًا له في الرجل. صحيح أن
التعليم والتعلم ذو أثر حاسم في الوعي وفي المعرفة إ ّ لا أن مستقبلات التعليم والتعلم
46
ليست في كلا الجنسين بذات المستوى من التأهيل. فالرجل اضطر للتعلم منذ بدابة
التاريخ بينما لم تضطر المرأة له حتى اليوم .
ما يؤكد الاختلاف التام بين الجنسين هو التقسيم الطبيعي والتاريخي للعمل .
للإبقاء على النوع. (Propagation) فالطبيعة خصّت المرأة بوظيفة الإنجاب والتكاثر
ليس من شك في أن غريزة بقاء النوع هي من طبيعة الرجل أيضًا لكن ليس لدرجة أن
تكون وظيفة كما في طبيعة المرأة. وظيفة الرجل على هذا الصعيد وفي هذا الاتجاه هي
الإنتاج المادي والسلعي وهذه الوظيفة لا ترقى أبدًا لمستوى وظيفة المرأة بدليل أن
الرجل لم يبدأ وظيفته إ ّ لا متأخرًا ومتأخرًا جدًا أي قبل سبعة آلاف عام فقط وبعد أن
مرّت ملايين السنين قامت الأم خلالها بوظيفتها وحيدة تقريبًا على خير وجه وفي
أصعب الظروف. لقد فرضت طبيعة الخلقة وظيفة مختلفة لكل من الجنسين بحيث لا
يمكن تغييرها أو مبادلتها. إن عدم التساوي بين الوظيفتين هو من صلب الطبيعة ولذلك
فإن أي حديث عن التساوي بين الجنسين ليس إ ّ لا محض وهم وهراء. لكن عدم التماثل
وعدم التساوي بين الوظيفتين يجب أ ّ لا ينعكس في قوامة أحدهما على الآخر وذلك بسبب
إنسانيتهما بالتحديد .
قضية المرأة ما زالت أكبر من المرأة بل أكبر من المرأة والرجل معًا. يدعي
البعض أن المسألة يمكن أن تُحلّ بواسطة تشريع القوانين التي لا تميّز بين الجنسين بل
وتعاقب على التمييز. في البلدان التي كانت اشتراكية ميزت القوانين لصالح المرأة ومع
ذلك لم تستطع المرأة أن تنعتق من هيمنة الرجل. ليس من شك في أن المسألة تتعلق
بالتقسيم الأولي للعمل. ولما كان الثابت هنا هو الوظيفة الأولية للمرأة، وظيفة الإنجاب
والتكاثر والتي كانت قد أنزلت المرأة منزلة الملكة، فإن وظيفة الرجل هي المتغيّر وهي
السبب المباشر لوقوع المرأة في عبودية تاريخية للرجل. إذًا ربقة عبوديّة المرأة هي من
نسيج نموذج الإنتاج وعلاقات الإنتاج .
47
المرأة تهرب من مواجهة القضية الصعبة ألا وهي تفكيك نسيج ربقة عبوديتها من
خلال السعي المنهجي الجاد نحو بناء نموذج جديد للإنتاج وعلاقات إنتاج مناسبة. وقد
عبّرت إحدى مجندات القضية عن مثل هذا الهروب صائح ً ة… " حسنًا ولكن لتعطنا
القوانين حقوقنا الإنسانية ريثما يتم بناء نموذج إنتاج جديد وعلاقات إنتاج مختلفة " ! هذه
السيدة المجندة لم تكلف نفسها عناء تحديد الجهة التي ستشرع تلك القوانين التي ستعطيها
حقوقها الإنسانية! لا بدّ أن تكون تلك الجهة من خارج الطبيعة طالما أن أقوى قوى
الأرض لم تستطع رفع الحيف عن المرأة رغم كل القوانين التي سنتها بهذا القصد .
إن أسوأ ما في هروب المرأة من تناول قضيتها بجديّة ومواجهتها بشجاعة هو أنها
ونتيج ً ة لليأس والإحباط اللذين يتملكانها من جهة ولأنها لا تتنازل عن وظيفتها الطبيعية
في كل الأحوال وتحت كل الظروف من جهة أخرى فإنها لم تجد مناصًا سوى أن
ُترخص جسمها للرجل وتلجأ للإثارة الجنسية مستخدم ً ة كل الوسائل الإيجابية كالزينة
بكل صورها وأشكالها أو السلبية كالانعزال أو الاحتجاب. وهذا كله لا يصب في
صالحها لأنه يبقى في نهاية المطاف حقيقة واقعة تشير قبل كل شيء إلى ما آل إليه
جسم المرأة من رخص. وهو أيضًا يم ّ كن الرجل من التمّلص من مسؤولياته إزّاء أبنائه
ليلقي بالتالي بكل الحمل على المرأة الأم وهي أعجز من أن تقوم به وحدها. على مثل
هذه الصورة البائسة تبدو حالة الأسرة في المجتمعات الحديثة .
حل قضية المرأة وهي أصعب قضية واجهتها البشرية خلال تاريخها الطويل لا
يتمّ بالادعاء بالحق البورجوازي وكل حق هو حق بورجوازي الذي به تدّعي كل
النساء في مختلف التنظيمات والحركات النسوية بكل أطيافها. بل إن تأكيد الحقوق من
شأنه أن لا يُحسّن من أحوال المرأة إن لم يزدها سوءًا. حل القضية يتمّ فقط بإلغاء كل
الحقوق. فإذا كان الرجل يرى أن إنتاجه يسوى كثيرًا فعليه أيضًا أن يرى أن الإنتاج
الطبيعي للمرأة المتمثل بالإنجاب والتربية فقط ودون إنتاجها الآخر من الخدمات والسلع
يسوى كثيرًا أيضًا. ولئن رأى أن إنتاجها الطبيعي لا يسوى شيئًا فعليه أن يقبل إلغاء كل
48
قيمة لإنتاجه. هنا في الحالتين لا نجد مفرًا من إلغاء قانون القيمة البورجوازي
الرأسمالي. التقنية الرفيعة ونمو قوى الإنتاج من خلال قهر كل القوى المضادة والتغلب
على كل الصعاب على طريقها ومن خلال الاشتراك العام والواسع للمرأة في العملية
الإنتاجية، من شأن كل ذلك أن يم ّ كن البشرية من إلغاء قانون القيمة البورجوازي
الرأسمالي إلغاء تامًا. حضارة قانون القيمة عمّرت طوي ً لا وعليها أن تتلاشى فسبعة
قرون بل سبعة آلاف عامًا أكثر من كافية. قوى الرجعية والبورجوازية سوف
تسخر من أمنية بني الإنسان في إلغاء قانونها لكنها كانت قد سخرت أيضًا قبل وقت
غير بعيد من وصول الإنسان إلى القمر ومع ذلك داس الإنسان على القمر .
Sunday, April 8, 2007
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment