Sunday, April 8, 2007

قضايا معاصرة " فؤاد النمري "

كما يقرّون ه و السلطة وا لسلطة المطلق ة ! الصراع بين السلطة الدينية والسلط ة
الزمنية هو صراع قدي م ق دم التاريخ . وهو أقدم من سائر الأديان السماوية ب ل إنه
وجد مع وج ود أول ف كرة دينية . فحسب ق راءات ع لماء الآنثروبولوج يا
عاش الإنس ان ملايين السنين ق بل أن تتطور عقد ته العصبية Anthropologists
ليبدأ فج ر وعيه الذي استغرق ثلاث ة ملايين سنة . كان الإنسان أو الأحرى الحيوان
الشبيه بالإنسان خلال كل تلك الأزمنة الطويلة يعيش على التقاط الحبوب والثمار في
الغالب وعلى الاف تراس في النادر أي أن الإنس ان لم يكن ينتج حيات ه. كان بلا عقل
كسائر الحيو انات الأخ رى التي لا تنتج حياتها . كان يعيش حياة القط يع ال ذي لا
يشكل مج تمعًا بأبسط صوره . وليس كل الحيوانات الشبيهة بالإنسان استطاعت أن تعبر
الفاصل الصعب بين الوعي واللاوعي . لا بدّ أن فصائل كثيرة من هذه الح يوانات لم
ومن (Survival) تستطع العبور فانقرضت. الوعي في هذه الحالة ساوى البقاء
المؤكد أن هذا ترتب على ضعف كلي للإنسان أمام الوحوش المعايشة له . فما كان
للإنسان إ ّ لا أن ينقرض كل يًّا أو أن ينجح في اكتساب وسيلة فع الة للدفاع عن نفسه
وحماية بقائه . لئن أفلحت بعض السلالات الشبيهة بالإنسان في الاهتداء إلى استخ دام
الحجر والعصا للحفاظ على استمرارها وبقائها فإن سلالات شبيهة أخ رى لم ت فلح
فانقرضت تب عًا لذلك . الاستخدام الفعال للعصا والحجر سمح للإنسان بالتكاثر وتزايد
أعداده لدرجة أن الغ ذاء المتيسر في الطبيعة لم يعد كاف يًا الأمر الذي حف ز الإنسان
الى اكتشاف وصناع ة الفأس الحج رية التي مكنته من توف ير صيد أكثر . ال فأس
الحجرية تؤش ر لبزوغ شمس الوعي لدى الإنسا ن كما يجمع علماء الأنثروبولوجيا .
هكذا بدأ الإنسان ينتج حياته باستخدام الآلة فافترق بذلك مساره عن مسار الحيوانات
الأخرى ومن تلك النقطة بدأت رحلته الإنسانية أو كما يصفها علماء الإجتماع رحلة
الإغتراب أي أن يخرج الإنسان من جلده متغربً ا. ما ي لزم تأكيد أهميته هنا هو أن
الآلة أو الأداة هي التي زرع ت الوعي في الإنسان وه ي أيضًا التي حفظته من
24
الإنقراض وهي كذلك التي شكلت وعاء الوعي لديه ال ذي لا ينفك يتسع بتطورها .
إنها محرّك الوعي.
بدأت الأ داة بسيطة بساطة الفأس الحجرية ومثلها بالطبع بدأ الوعي الإنساني بسيطًا
وأوليًّا. كان أي تطوير للآلة أو الأداة يستغرق الإنسان أزمنة طويلة قد تصل إلى ألوف
السنين. ومنذ أن بدأ الإنسان ينتج حياته بوساطة الآلة قامت في الح ال علاقةجدلية
أبديّة بين تكاثر الجنس البشري من جه ة ومستوى تطور الآلة من جهة أخرى . وما أن
تدخل هذه العلاقة في أزمة حتى يغيّر الإنسان في حياته وفي علاقته مع الآلة لينعكس
في نهاية الأمر ف ي إدخال بعض التطويرات على الآلة . في أول أزم ة كبرى نشبت بين
الإنسان والآلة ولا ب دّ أنها عمّرت طوي ً لا ظهر الإنسان الطفيلي الذي يعيش
على حساب الآخرين ويسلبهم حقوق هم في الغذاء وفي أشيائهم الأخرى . وهكذا نشأت
العبودية من باب تصريف الأزمة الحدّ من تكاثر الجنس البشري من جهة والعجز
عن إحداث تطوير ملموس في الأ دوات المستخدمة في الإنتاج من جهة أخ رى. انتشرت
العبودية طالما ظلت أدوات الإنتاج في تخ لف ولم تتجاوز ف عاليتها نشاطات الزراعات
وهكذا قبل ما يناهز الستين قرنًا بدأت تتشكل (Horticulture ) الصغيرة، البستن ة
المدن الممال ك أو مدن العبيد . مدينة العبيد هي مدينة تعود ملكيتها لأحد الطفيليين
السادة ، ي ملكها بما فيها ومن فيها ، هي كل مملكته وهو ملكها ومال كها. شواهد مدن
العبيد هذه ما زال ت قائمة حتى يومنا هذا من مثل برج باب ل وال بتراء والأهرامات
والكرنك والأكروب ولس والكولسيوم وغيرها . هذه الشواهد المعمارية الضخمة تعكس
أول ما تعكس الاستنزاف الوحشي للعبي د الذين أعتصر كل جهد فيهم لبناء معمار بتلك
الضخامة التي ت دل على الولاية المطلق ة والاستثنائية للسيد على ع بيده والتي تبدو
متجاوزة منطق الأشياء ، كما تعكس الاحتشاد الكثيف بمقاييس تلك الأزمنة لأع داد
العبيد في تلك المدن والمواقع ، ذل ك الإحتشاد الذي ما كان لي كون إ ّ لا نتيجة لسلسلة
حروب ناجحة يشنها سيد المدينة على مدن أخرى يسبيها ويستعبد أهلها .
25
هذه الصورة المستحضرة من أعماق التاري خ توضح لنا أن تطور وس ائل
الإنتاج في المدن الممالك قد عمل على تراب ط وتكامل مجتمعاتها وتعقيدها أي ضًا
بحيث أن ثقل الملك السيد بكل س طوته الفيزيائية لم يع د كافيًا لمعادلة ث قل المجتمع
الذي يحكمه . أمام هذه الإش كالية لم يكن أمام الملك السيد من حيلة أو وسيلة سوى
الإدعاء بأنه لا يملك قوىً فيزيائية فقط بل وفوق الفيزيائية أيضًا أي قوى غيبية لا
يملكها أحد س واه. كان عليه أن يدّعي الألوهية ك ي يتمكن من إصدار شرائع ذات قوى
قطعية ونافذة في كل ز وايا مملكته ويخضع لها كل رعاياه . الفراعنة أصدروا مثل هذه
الشرائع وحموراب ي أصدر شريعته المعروفة . في تلك المرحلة المبكرة من التاريخ
عرفت البشرية النظا م السياسي والإداري مزدوج السلطة ، السلطة الفيزيائية أوالد نيوية
والسلطة فوق الفيزيائية أو الدينية . بدأ هذا التناقض في الملك السيد ذاته فهو السل طان
مطلق السلطة وه و الإله الواحد الأحد في مملكة العبيد . مثل هذا الشكل من الملك الإله
كان لازمًا في بداية تشكل المجتمعات البشرية المتماسكة فهو النموذج القادر على تركيز
السلطة كيما يكون بإمكانها تنظيم المجتمع بل حتى دفعه في أحايين كثيرة إلى حرب
عامة ضد المجتمعات المجاورة ينهب ما فيها ومن فيها ويح ولهم إلى عبيد ويقامر في
سبيل ذلك بمصيره في أن ي كون أو لا ي كون. كانت مثل تلك الحروب ضرورية
فبمقدار ما كانت حاجات الملك وأعوان ه تنمو وتتزايد كان الشغل العام يقصر عن
تلبيتها وتقوم الحاجة إلى مزي د من العبيد الذين يستحيل توفيرهم إ ّ لا عن طريق نهب
الممالك المجاورة واستعباد كل أهلها وسبي نسائها وهنّ الوسيلة الوحيدة لتكثير العرق
والجنس. ونظرًا لأخطار الحروب على مصائر الناس فقد كان نفير ك ل حرب رسالة
جديدة من وراء الطبيعة أو دين ًا جديد ا . وليس غريبًا أن ينطبق هذا المعيار على
الرسالات السماوية أيضًا فالتوراة لم تخفِ بل أوضحت بكل جلاء أن رسالة النبي
موسى ( الشريعة ) إنما نزلت من أجل تجنيد بني إسرائيل في حمل ة حربية ضد
الكنعانيين في فلسطين , وقد كان ه ذا واضحًا في القرآن .. " إذهب وربك فقاتلا .. إّنا
26
هنا لقاعدون " . وجاءت رسالة عيسى المسيح لتجند اليهود في ث ورة ضد عبودية
روما وقد لّقب عيسى في حينه ِ ب " ملك اليهود " حيث أراد أن يبعث من جدي د
مملكة داؤود و سليمان , وحين أدرك فشل مشروع ه قال قول ته الشهيرة .. " جئت
لخاصتي وخاصتي لم تتبعني " ومن المعروف أن العبرانيين قاموا بعشرات الثورات
ضد روما منذ احتلال الرومان لفلسطين حوالي العام خمسين قبل الميلاد وحتى العام
73 بعد الميلاد حين هدم الرومان هيكلهم . أما الرسالة الإسلامية فسرعان ما تحققت
ببعدها ا لدنيوي وتم تحرير الطريق الرئيس ية للتجارة العربية ال تي تصل دمشق بمكة
وأواسط الجزيرة العربية وت لا ذلك الاستيلاء على طريق التجارة العالمية ما بين غرب
المتوسط وحدود الصين المعروفة ب " طريق الحرير " .
الازدواجية الظاهرية للسلط ة في ذات الملك اقتضت بالضرورة ازد واجية التبعية
. فكما أن للملك قصرًا يمارس منه سلطات ه الدنيوية فلا ب دّ أن يكون له بالت وازي
معبد تكرس فيه ذاته الإلهية . للملك الإله أتباع وخدم س واء في القصر أم في المعبد .
خدمه في القصر يح كمون بموجب س لطاته الدنيوية وخدمه في المعبد يحكمون
بموجب سلطاته ال دينيةوثمة تناحر بين هؤلاء وأولئك مع أن الملك هو ذاته الإل ه.
الخدم الدنيوي ون في القصر ينكرون على الخ دم الدينيين في المعبد أية ص ّ لاحيات في
الحياة الدن يا باعتبار أن الحياة ال دنيا شيء والحياة الأخرى شيء آخر ، ومثلهم يفعل
خدم المعبد محاجّين أن الملك الإله هو الأصل وليس الملك الإنسان.
منذ ذلك التاريخ الموغل في القدم تطور هذا التناقض الظاهري متساوقًا مع تنامي
الوعي الاجتماعي في خمسة أش كال مختلفة قبل أن يتلاشى نهائيًا تقريبًا في العالم
الحديث :
1. الملك الإله وهو الشكل الذي بدأ به تاريخ الحضارة . وتحدّر إلينا هذا الشكل
عبر التاريخ خاصة في شرق آسيا ولو بصورة باهتة فإمبراطور اليابان ظل شبه إله
حتى هزيمة اليابان في الح رب العالمية الثانية كما أن الدالاي لاما في التبت ه و
27
نصف إله . ومن المعل وم أن ملوك مصر من قدماء الفراعنة كانوا بمثابة الآله ة
للمصريين . كما أن بلقيس كانت ملكة وإلهة سبأ معًا
2. الملك النبي : فكرة الملك الإله كانت قد بليت أم ام الوعي الإنساني المتنامي
المبشرة (Monotheist) فانتشرت في العال م القديم مجموعة من الديانات التوحيدية
بوحدانية الله . لعل أولاها كانت ديانة أخناتون فرعون مصر في القرن الرابع عشر
قبل الميلاد أما أهمها فكانت الزرادشتيه والصابئة اللتين ما زال لهما أتباع في إيران
والعراق. إزّاء هذه الأفكار الجدي دة كان لا بدّ لفكرة الملك الإله من أن تنزل قلي ً لا
باتجاه أرض الواقع لتأخذ شكل الملك النبي المتصل دائمًا بالله . وهكذا كان جميع ملوك
اليهود أن بياء بدءًا بموسى مؤسس الديانة اليهودية ونبي الدولة اليهودية في القرن الثالث
عشر قبل الميلاد ثم يوشع فاتح فلسطين وكنعانيا ثم داؤود مؤسس أول مملكة إس رائيلية
ثم ابنه سليمان وعندما ظهر المسيح ع اد مشايعوه من اليه ود لاعتباره الملك الإله
وليس الملك النبي كداؤود وسليمان .
3. الملك الخليف ة : تراجعت الديانات التوحيدي ة الأول ى في العال م ل تح ل
محلها الرسالات السماوية الثلاث اليهودية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد
والمسيحية في القرن الميلادي الأول ثم الإسلام في القرن السابع للميلاد . من المعروف
أن ك ً لا من هذه الدي انات الثلاث كانت قد أقفلت الباب خلفها لتنكر النبوّة على كل من
يأتي بعدها . بذلك فقدت ف كرة الملك النبي شرعيتها ونزلت باتجاه أرض الواق ع مرة
أخرى لتأخذ شكل .. " الملك خلي فة الله في الأرض ". أول تجسيد لهذه الفكرة كان خليفة
المسلمين . اختلف التأويل في معنى ال خليفةإذا ما كان خليفة الله أم خليفة النبي إلا أنه
يظل في كلتا الحالتين أميرًا للمؤمنين لا يفصل بينه وبين الله سوى روح النبي الغائبة في
السماء . ظل الأمر كذل ك حتى حين لم يكن الخليفة سوى خليفة أبيه كما في العهدين
الأموي والعباسي وما بعدهما . انتقل هذا الشك ل من الدولة ، الإكليركية المظهر
البطريركية الجوهر ، إلى أوروبا المسيحية الكاثوليكية في الغرب خلال القرون الوسطى
28
حيث طغى هناك المظهر على الجوهر فأصبح بابا روما الحاكم الفرد لكل م مالك أوروبا
الغربية الكاثوليكية ، يعين أسقفًا في كل قصر لا يج رؤ أي مل ك على مخا لفته. ووصل
الأمر بالبابا إلى معاقب ة ملك إن كلترا بصورة مهينة وذلك بتوقيفه لبضعة أيام حاسر
الرأس حافي الفدمين تحت الثلوج المتهاطلة .
4. الملك ذو الحق الإلهي : كان يتصادف أحيانًا أن يشتد ساعد الملك لأسباب إثنية
أو اجتماعية غ ير دينية فلا ي عود بحاج ة إلى تبري كات البابا فيدّعي عندئذٍ أن الله
أعطاه الح ق في ال ملك وادّعاؤه هذا يستند إلى مفهوم ديني يقول بأن الأحداث لا
تحدث إ ّ لا بأمر من الله وما ارتقاؤه سدة الحكم إ ّ لا أحد هذه الأحداث . إنها إرادة الله التي
تتجاوز البابا ولا يجوز له التدخل فيها . لعل أول ملك استحضر مثل هذا الحق الإلهي
كان ول يم الفاتح . فعندما فتح إنكلترا عام 1066 إدّعى أن الله وهبه أرض إن كلترا
يتصرف بها كما يشاء ويهبها لمن يشاء .
5. ظهرت الإرهاصات الأولى لعصر التنوير في القرن الرابع عشر وانهارت
سلطة الكنيسة مع قيام حركة الإ صلاح الديني في القرن الخام س عشر . تراج عت
الفكرة الدينية في عصر النهضة وترس خ مكان ها المنهج العلمي التج ريبي. إزاء هذه
الثورة الفكرية خشي الملوك فقدان س لطانهم الذي استند حقوقيًا وأدبيً ا منذ البداية إلى
الفكرة الدينية . لم يكن أمام ه ؤلاء الملوك من مفر سوى الفصل بين هرمي السلطة
الدينية والسلطة الدنيوية فص ً لا تامًا با ستثناء الرأس حيث يجلس الملك فقط . الأمر كذلك
في إنكلترا حيث يجلس الملك على رأس السلطتين ومثله يجلس ملك مصر ورئيس
الجمهورية فيما بعد .
ظهرت فكرة السلطة الدينية مع بداية الحضارة أي قبل أكثر من ستة آلاف عام
ولم تبدأ بالانحسار بصورة ملموسة إ ّ لا في القرن السابع عشر. إستغرقها عشرات
القرون حتى تطورت فكرة السلطة الدينية نحو الواقعية عبرهذه الأشكال الخمسة
المتباينة. عمرها الطويل من جهة وتطورها باتجاه الواقعية من جهة أخرى يدللان
29
بصورة مقنعة تمامًا على أن فكرة السلطة الدينيةهي مجرد فكرة غير قابلة للتطبيق
بحال من الأحوال. فالدولة اليهودية لم تقم في فلسطين بفعل شريعة موسى حيث
كان العبرانيون قد خرجوا من مصر باتجاه فلسطين كما تحكي قصتهم قبل أن
يبشرهم موسى بشريعته. أما الإسلام فإنه ورغم الدفقة الروحية الكبرى التي أتى بها،
ولم يأتِ بمثلها دين غيره، لم يستطع تغيير طبيعة السلطة في الحجاز والتي كانت حكرًا
على الأمويين ثم ما لبثت طوي ً لا بعد موت النبي أن عادت إليهم. كانت سلطة الأمويين
قبل الإسلام سلطة تجارية أمراء رحلتي الصيف والشتاء وعادت سلطتهم بعد
الإسلام في دمشق سلطة تجارية أيضًا. أما العباسيون وقد اتجهوا إلى أن تكون
سلطتهم سلطة ثقافية فكرية قبل كل شيء آخر فإنهم سرعان ما فقدوها لصالح
الأعاجم من فرس وأتراك وغيرهم. أما سلطة البابا في أوروبا الكاثوليكية فلم تكن
تعبأ بالقيم الدينية اللهمّ حين تتمرد بعض الفئات ضد الكنيسة وسلطتها الزمنية
حينئذٍ فقط تهب الكنيسة لتعبئ كل طاقاتها ضد التمرد مهددة بالويل والثبور وعظائم
الأمور ومتهمة المتمردين بالكفر والإلحاد والزندقة. كان اهتمامها يتركز في أملاكها
الواسعة الشاسعة والتي كانت تزيد في كل مملكة عن مجموع أملاك الإقطاعيين، وفي
استغلال هذه الأملاك بما يعود بالريع الأكبر على البابوية. لئن كان الإقطاعيون يعطون
أعشار محاصيل الأراضي إلى الأقنان الذين يزرعونها فإن الكنيسة لم تكن تعطي
شيئًا. كانت تستعبد الرهبان الفقراء، تسخرهم في فلاحة وزراعة أملاكها الشاسعة
في كل أوروبا الكاثوليكية دون أن يكلفها هؤلاء الرهبان شيئًا يذكر خاصة وأنهم
يقضون عمرهم بلا عوائل إذ حُرِّم عليهم الزواج خشية الإعالة التي كانت ستقع على
الكنيسة. لم يكن غريبًا في مثل هذه الأحوال أن ينهض رهبان إنكلترا في ثورة عارمة
ضد البابوية شملت جميع الأبرشيات وانتظم رهبانها في حركة أطلق عليها اسم (
1214 1294 Roger Bacon اللولارد ) تجاوزت جرأة رائدها روجر بيكون
وأخذت تشكك ببعض المفاهيم الدينية الأساسية. كان الراهب بيكون قد أصدر
30
عام 1266 يقبل فيه بل يطالب بأن يحكم البابا العالم إنما بمنهج Opus Majus مؤلفه
علمي بعيدٍ عن الخرافات والأفكار التي لا تستند إلى حقائق الواقع المادي على
الأرض. إثر ذلك ظهر المصلح الديني المعروف جون ويكلف 1330 1384 الذي
شن هجومًا قويًا وشام ً لا على سلطة الكنيسة وشجع الملك على حرمان الباباوية من
جباية الضرائب من الشعب الإنكليزي .
انهارت سلطة الكنيسة في القرن الخامس عشر . إ ّ لا أن اكتشاف أمريكامن جهة
وحرب المائة عام من جهة أخرى عملا على تأخير نشر وإرساء المنهج العلمي في
الحياة العامة لما يناهز القرنين. في عام 1620 فقط أصدر فرنسيس بيكون
الذي أرسى المنهج العلمي Novum Organum مؤلفه الشهير Francis Bacon
التجريبي وهو المنهج الذي أصبح منذ ذلك الحين أسلوب البحث والتفكير في شتى
مناحي الحياة. وهكذا قادت البورجوازية الأوروبية ثورة ثقافية امتدت أربعة قرون بدأت
بروجر بيكون في القرن الثالث عشر ولم تنتهِ بفرنسيس بيكون في القرن السابع
عشر، ثورة امتدت عميقًا في البنية الثقافية واستطاعت أن تخلع بنية ثقافة العقيدة
والإيمان من جذورها وتستبدلها بالثقافة العلمية التجريبية والنقدية. لم تستكمل هذه الثورة
الأعظم في تاريخ البشرية دون دماء. لقد نزف الأوروبيون دماء كثيرة فيما يُسمى
بالحروب الدينية وفي الثورات البورجوازية التي تلتها وعلى رأسها الثورة الفرنسية
. عام 1789
موضوعنا هنا يتركز في نقطة رئيسية واحدة في غاية الأهمية وهي أن هذه
الحركة التاريخية التي أسست لعالمنا الحديث بكل نظمه ومفاهيمه لم تج ِ ر وفق عقيدة أو
عقائد مهما كانت توجهاتها، بل جرت تبعًا للحقائق المتجددة على الأرض. فمنذ القرن
الثالث عشر بدأت الطبقة البورجوازية الأوروبية الوليدة تقيم مدنها في الأراضي
المحررة من القارة وعملت هذه المدن في الإنتاج السلعي المادي لخير ورفاه الإنسان
من خلال تلبية احتياجاته المعاشية المتعددة وليس لتجسيد عقائده وكان الناظم لهذا

No comments: