Sunday, April 8, 2007

قضايا معاصرة "فؤاد النمري "


1
المقدمة
عزيزي القارىء ،
أرجو إعتبار الكتاب بين يديك صرخة إحتجاج قوية ضد إفتراس الإيديولوجيين
للمواطن العربي . أُبتليت الشعوب العربية بنكبات كارثية كثيرة لكن طاعون الإيديولوجيا كان
الكارثة الأعظم على الإطلاق حيث أنها أعطبت العقل العر بي وهو ما تسبب بالتالي بسائر
النكبات الأخرى.
يعمل الإيديولوجي عمل القاضي المرتشي الذي يقرر الحكم سلفًا قبل أن يدرس حيثيات
القضية، أو عمل دعيّ الطب الذي لم يدرس الطب بتاتًا ومع ذلك يسمّي المرض ويحدد العلاج
وهو لا يعرف كيف يفحص المريض . المفكرون العرب بوجه عا م مصابون بطاعون
الإيديولوجيا ولذلك قدموا مختلف القضايا المطروحة على الشعوب العربية من خلال منظار
إيديولوجي يرى الأشياء بالصورة المؤدلجة بإيديولوجيا الناظر وليس على حقيقتها . فقّلما تجد
مفكرًا عربيًا ليس لديه كل الأجوبة الجاهزة على كل المسائل الماثلة أو حتى تلك التي لم تمثل
بعد دونما حاجة منه لأي درس أو تمحيص، بل إنه يحرص كل الحرص أ ّ لا تبدر منه تلك
الحاجة طالما أنه يعتبرها عيبًا مشينًا للمفكر . إنهم يبيعون الأفيون لشعوبهم دون وخزة ضمير !
لكن من أين أتانا هذا الطاعون الفّتاك الملعون ؟
عندما فّتح الإنسان الأول ع ينيه على الطبيعة من حوله رآها ثابت ً ة وأن الثبات من
فطرتها وأن الحركة هي الإستثناء . تعذر عليه القبول بما لا ينتظم مع فطرة الثبات التي
إعتبرها القانون العام للطبيعة فطفق يبحث عن أساس ثابت للحركة؛ ولما إستحال عليه ذلك
بطبيعة الحال خرج من نفسه ومن الطبيعة ليعت قد بالثابت، أي أن ثمة قوة خفية من خارج
الطبيعة تحرك كل ما هو ليس ثابتً ا. من هنا وجدنا في الحضارات القديمة إلهًا خاصًا بكل
شيء متحرك للشمس إله، للقمر والنجوم إله، للريح إله، للبحر إله، للنهر إله وللغابة
إله..إلخ وبالطبع كان الإنسان يخشى هذه الآلهة ويقدم لهل الأضاحي مستهدفًا تحاشي غضبها
2
فكان قدماء المصريين يقدمون أجمل فتاة مصرية لإله النيل كي لا يفيض النيل عليهم
ويغرقهم؛ كما أن شيوخ القبائل فيما قبل المصريين في بعض مناطق الشرق الأوسط كانوا
يذبحون أبكارهم من الذكور فداء للقبيلة من غضب الآلهة وهذا ما همَّ بف عله إبراهيم الخليل . ما
زالت الأضاحي تقدم في مختلف الأديان حتى يومنا هذا.
هكذا تخّلقت البذرة الأولى للإيديولوجيا، التي جنينها فكرة الثبات والديمومة، في
مستنبت الفكر الديني لتشكل نسقًا من الأحكام تدور حول فكرة ظرفية لتنزع عنها شرط
الظرفية وتجعلها عامةومطل قة ومستقلة لا تخضع لأية شروط بما فيها قانون الطبيعة العام
للحركة، ميكانزما التطور وتقدم التاريخ.
إحتجاجًا على شروط الواقع المحيط يفتش الإنسان في مخيلته عن الصورة المثال من
الماضي ليتسمّر أمامها منبهرًا فيستنّ لها أحكامًا حصرية لا تتواءم مع ما يخالفها من ا لصور
الأخرى. هكذا هو الإيديولوجي، أصولي يجهد للعودة بمن حوله لأصل الصورة المتخيلة، أو
بعثي يجهد لبعث الصورة المتخيلة إلى الحياة من جديد . كلاهما يلويان عنق التاريخ ليكرر
نفسه وعبثًا يفعلان.
ليس عبثًا أن جميع الديانات التي عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل ظ هرت في
شرق المتوسط . لعل ذلك يعود إلى إعتدال المناخ وغنى الطبيعة مما يجعل إشتباك الإنسان مع
الطبيعة خفيضًا، بطيئًا ومتقطعًا الأمر الذي يتيح للعقل أن يتغرّب حتى إلى ما وراء الطبيعة .
لهذا تطبّع العرب بالأدلجة فمنهم من إكتفى بالأدلجة الدينية ومنهم من لم يكتفِ فتبّنى
إيديولوجيا دنيوية . باتوا يتناولون كل قضاياهم حتى المصيرية منها من خلال إديولوجيات شّتى
ليس منها ما هو إنعكاس لواقع حياتهم.
كان على الإنسان أن يقطع ملايين السنين في دياجير الجهل حتى كان هيجل وماركس
اللذان بددا عتمة الجهل وأشعلا نور المعرفة لتظهر الطب يعة مفطورة على الحركة وليس الثبات
الذي لا وجود له على الإطلاق وأن الأشياء، كل الأشياء على الإطلاق، المادية منها وغير
المادية، بوجودها وبصيروراتها، إنما هي الصراع الملتحم والمستمر دون إنقطاع بين النقائض
3
في ذات الأشياء . وهكذا إنهارت الإيديولوجيات بكل قواعدها الثابتة وغابت نهائيًا عن تعليل
الظواهر وتفسير الأشياء بوجودها . لقد قبر ماركس كل الفلسفات القديمة وجعل من المادية
الديالكتيكية القانون العام للحركة في الطبيعة والمنهج الوحيد المعتمد في شّتى مناحي الأبحاث
العلمية.
لذلك ، عزيزي القارىء ، سوف تجد مقاربات مختل فة تمامًا عما إعتدت في جميع
المواضيع التي إحتواها الكتاب والتي ، ربما ، تعصى على الفهم بدون الإنطلاق بداية من
التسليم الكامل بسلامة منهج المادية الديالكتيكية الذي يولي جل إهتمامه لقانون الصراع
الطبقي في المجتمعات، القانون الذي يسيء فهمه كل السياسيين والإيد يولوجيين وغالبية أدعياء
الماركسية والشيوعية . هم لا يرون منه إ ّ لا الإحتراب الطبقي مع أن الإحتراب ليس إ ّ لا
الصفحة الأخيرة من كتاب الصراع ومن لا يقرأ إ ّ لا الصفحة الأخيرة فلن يفهم من موضوع
الكتاب ما يمكنه أن يتحدثعنه . الصراع الطبقي بأبسط صوره هو كسب أسباب الع يش الذي
لا يتوانى فيه كل بني البشر . كلهم يخرجون من بيوتهم كل صباح إلى العمل وهذا بحد ذاته
الإعلان الأول لحرب الطبقات . يشتبكون مع أدوات إنتاجهم المختلفة جاهدين لتعظيم إنتاجهم
سواء عن طريق جهدهم الشخصي أو عن طريق تحسين أدواتهم . كل بني البشر يفعلون هذا
وبه يب لغ الصراع الطبقي أشدّه وليس بالإحتراب كما قد يفهم البعض حيث الإحتراب في نهاية
المطاف ليس إ ّ لا الخطوة الأخيرة نحو إنهاء الصراع . المجتمع ينتظم في وسائل إنتاج متباينة،
طبقة تملك المؤسسات وأخرى تعمل في المؤسسات، طبقة تملك الأراضي وأخرى تعمل في
زراعة الأراضي، و طبقة أخيرة تعمل في خدمة هؤلاء وأولئك . ما يحدد مردود إنتاج كل طبقة
وبالتالي إنتاج كل فرد هو السوق وهي أرض المعركة الحقيقية حيث تتنافس المنتوجات
بأنواعها وبأسعارها . الصراع الطبقي بأعنف أشكاله وأكثرها دموية يجري في السوق الحرة .
في السوق الحرة تمّ إبادة طبقات إجتماعية بحالها؛ فيها ُتنهش لحوم بني البشر حتى لا يبقى
منهم إ ّ لا الهياكل العظمية . بعد كل هذا الذي يجري حيًا أمام الأبصار يطلع علينا
الديموقراطيون الليبيراليون وكثيرون ممن ل ّ ف لفهم ليسبّوا الماركسية بمبدأ الصراع الطبقي
4
ويمتدحوا الديموقراطية الليبيرالية بم بدأ " السوق الحرة ". أي خداع هذا والماركسية تسبّ
الرأسمالية، واسمها بالتجميل الديموقراطية الليبيرالية، بالإثنتين معًا ، بالصراع الطبقي
وبالسوق الحرة !!!
وسائل الإنتاج بأدواتها هي ما ينظم المجتمع ويصوغ قوانينه ويفرز قيمه وأفكاره .
وسائل الإنتاج بأدواتها هي حياة الإنسان التي لا تحفل بأية معتقدات لا تحفل بها، أي بوسائل
الإنتاج وأدوات الإنتاج .
لزم أن أشير أخيرًا إلى أن القارىْ سوف يجد أكثر من فكرة وأكثر من واقعة تتكرر
بين موضوعات الكتاب أكثر من مرّة ؛ والقاعدة أن يؤخذ هذا مأخذًا على الكاتب والكتاب .
لعّلي أجد ع ذرًا في أن محتويات الكتاب وقعت في مواضيع مختلفة وكتبت مستقلة عن بعضها
البعض فكان الإستشهاد بواقعة معينة لا يستوجب بالضرورة عدم الإستشهاد بها في موضوع
آخر مختلف، لذلك أرجو المعذرة.
عمان الأردن فؤاد النمري
5
قضايا معاصرة
الفهرست
صفحة
"الحق" ليس إ ّ لا مفهومًا بورجوازيًا باط ً لا ................ 1
1 العلمانية أم الإكليركية ( أو الإمامة ) ................. 3
حقيقة قضية المرأة ................. 31
في المسألة القومية ................. 44
المشروع النهضوي أو الإحياء الوطني .................. 99
المشروع الإسلامي ومستنداته .................. 116
القضية الفلسطينية وتحولاتها ................ 141
6
" الحق " ليس إ ّ لا مفهومًا بورجوازيًا باط ً لا
بدأت فترة الجزر الثوري التي استغرقت كل النصف الثاني من القرن
العشرين وما تزال بسبب عنف انفجار الثورة المضادة في ألمانيا النازية
1933 1945 . وظهرت إرهاصاتها بتسلل التعفن إلى ر ؤوس قادة الثورة العالمية بدءًًا
بسوسلوف وخروتشوف ليفسد أول ما يفسد نقاء فكرة الثورة ويسمح تبعا لذلك بأن
تجري على ألسنة المرتدين والثوريين البورجوازيين تعابير رجعية أك ثر مما هي
جوفاء فاسدة من مثل " دولة الحق والقانون ".
قبل الشروع بفضح الخلل والخد اع اللذين ينطوي عليهما تعبير
" دولة الحق والقانون " سيكون مفيدا بل جوهريا تحليل مدلول " الحق " تحليلا دقيقا
وهو التحليل الذي يمس مسا عريضا ومباشرا سائر المفاهيم المركزية لدى المشتغلين
بالسياسة والعلوم الاجتماعية ومنها المفهوم العام للدولة وو ظائفها ولف حوى القانون
ومشروعيته.
يلزم التأك يد بداية ع لى أن " الحق " لن ت عرف حدوده إلا إذا عرف ت
حدود نقيضه " اللاحق " بوجوهه المتعددة المعروفة الباطل، الجور، الظلم،
العسف، القمع ...ألخ، وحين يتعذر معرفة أحد النق يضين تنتفي في الحال معرفة الآخر،
وبانتفاء أ حدهما ينتفي الآخر . ففي الحياة الوحشية ينتفي " الحق " و " اللاحق " على
الإطلاق إذ لا يمكن وصف افتراس الذئب للحمل بالعمل التعسفي أو بالطغيان طالما أن
مثل هذا الافتراس هو الوسيلة الوحيدة لإحقاق حق الذئب غير المشكوك فيه بالحياة
وبالبقاء وعدم الإنقراض . أما الحق القائل بحدود " لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم " فهو
حق غير ثابت على محور الحق/اللاحق إلا إذا دلت على حدوده دالة خارجة عن هذا
المحور ولا تنطلق من أي من طرفية ، حق الذئب من طرف وحق الحمل من طرف
آخر، بل من طرف ثالث غ ريب عن كل من الذئاب ومن الخراف . وبغياب تلك الدالة،
7
وهي تعسفية بكل المقاييس طالما أنها تغيّب تغييبا تاما ونهائيا حقوق الذئاب كما حقوق
الخراف، فمن العبث الحديث عن أية حقوق . لهذا تدجّن الخروف ليلغي حق الذئب
بافتراسه ويلغي بذات الوقت حقه هو بالعيش في القفار حيث تعيش الذئاب وبذلك انفك
الرباط الحقوقي بين الذئاب والأغنام انفكاكا تاما .
إن مفهوم الحق/اللاحق لم يظهر في المجتمعات البشرية إلا في مراحل متطورة،
مجتمعات توحدها شبكة تامة من علاقات الإنتاج، شبكة سداتها " حق
الملكية ". روبنسون كروزو مثلا الذي شكل مجتمع الفرد الواحدفي جزيرته النائية لم
يكن بح اجة لفهم الحق واللاحق ولم يرد في قاموسه حق التملك بالرغم من كل انهماكه
الإبداعي في حقل الإنتاج وقد بلغ تقسيم العمل فيه حد الكمال حيث لم يشاركه آخر
بإنتاج كل ما أنتج.
الصورة المثيولوجية الناطقة التي رسمتها الأديان السماوية للحياة الدنيا والحياة
الآخرة استوع بت جميع أبعاد التناقض الحق/اللاحق أو الحق/الباطل . ففيها الحياة الدنيا
حياة باطلة ، فانية وعابرة وذلك لأن هذه الحياة قامت أصلا على وحدة النقيضين ..
الحق/ الباطل الحسنة /السيئة الصالح /الشرير والصراع بينهما . ولأن هذا الصراع
باطل بنقيضيه، الحق باطل واللاحق با طل كذلك، وصفت الحياة الدنيا بالبطلان . كما أن
الحياة الآخرة الأبدية غير الباطلة لا تبدأ إلا حال انفكاك النقيضين عن بعضهما انفكاكا
لحظيا كيما يوضع كل واحد منهما في كفة ليتثاقلا على ذراع واحدة فلا يوزن أحدهما
إلا بالآخر ثم ي ستحيلان بذات اللحظة إلى العدم، العد م المطلق ، فتدخل الأنفس دار النعيم
أو دار الجحيم حيث تتحرر هناك من كل معايير الدار الفانية إن بجهة الخير أم بجهة
الشر إذ ليس في دار النعيم أو في دار الجحيم أي أثر للحق أو اللاحق طالما قد يتواجد
في دار النعيم بعض الأنفس التي كانت قد حملت في الحياة الدنيا ثق لا من الخطايا يفوق
عما حملته بعض الأنفس في دار الجحيم، والعكس صحيح . في هذا التصوير الحي
لوحدة التناقض صورة موازية لبطلانه.
8
الطبيعة البورجوازية الباطلة للحق تعكسها أيضا لائحة حقوق الإنسان التي توصف
عادة بالعادلة وتقف الع دالة عند حدود معانيها . فالحق بالقول ي غدو شرعيا فقط بعد التسليم
بشرعية الحق ( او اللاحق ) بمصادرة حق القول وبكم الأفواه . ثم إن اللائحة لم تحدد
مدى امتداد هذا الحق ولا وسائل تحقيقه معترفة بذلك بشرعية حق القول عبر الإذاعة
مثلا للسلطة المعادية لحق القول ومكتفية بشرعنة حق القول في زاوية مهجورة للم واطن
المقموع. وما يقال عن حق القول يمكن أن يقال عن سائر ا لحقوق الأخرى الواردة في
اللائحة. إن إعلان لائحة حقوق الإنسان موجهة بصورة رئيسية إلى السلطات المعادية
لهذه الحقوق وإ ّ لا لما كانت قد صدرت في الأصل.
الحق بالإطلاق ظهر في المجتمعات البشرية مع ظهور حق الت ملك فيها فكان هذا
الحق البش ع في وجوه عديدة هو الأ ب الشرعي لكافة الحقوق الأخرى .
قام ( حق ) فرد ما أو طائفة ما بامتلاك ممتلكات معينة وذلك فقط ليحرم أفرادا آخرين
أو طوائف أخرى من امتلاك هذه الممتلكات أو أي منها . هذا هو بالضبط الحق
البورجوازي الذ ي يلغ ي مباشرة ( الحق ) الإنساني. واندرج امتلاك قوة العمل التي هي
أخص خصائص الإنسان بالكم وبالكيف في رأس قائمة الحقوق البورجوازية ليعود على
المالك بالأجر المناسب . لكن الطبيعة البورجوازية لامتلاك قوة العمل لم تستطع قط
اختراق جدار الأ سرة فظل أفراد الأسرة يقتسمون أجر المعيل حسب حاجة كل منهم
ودون تحديد أية حقوق لأي منهم.
تشريع الحق البورجوازي انطلاقا من حق التملك ومنه امتلاك قوة العمل والانتفاع
بها أحدث أول شرخ في المجتمعات البشرية من خلال أول تقسيم للعمل ظهر في
التاريخ وهو تقسيم العمل بين الرجل والمرأة . وقام هذا ا لتقسيم بالدور الأساس في
رحلة عبودية المرأة . فالمرأة وبحكم تكويناتها الفسيولوجية والسيكولوجية غير قادرة
على القيام بدور إ نتاجي بالقدر الذي يقوم به الرجل . وبناء على هذه الحقيقة عمل الحق
البورجوازي على تخفيض مرتبة المرأة عن مرتبة ال رجل. ومن الجدير أن يشار في هذا
9
المقام إلى الإشكالية الصماء التي تقع فيها ع امة المنظمات النس وية الم دافعة عما
تسميه ( حقوق المرأة ). إن طرح قضية المرأة على هذا المستوى ، مستوى الحقوق ، ما
هو إلا تعبير عن جهل تام بجوهر القضية ونقص في الشجاعة الكافية للطعن في شرعية
" الحق البورجوازي ". أما تحقيق حقوق المرأة في ظل شرعية " الحق البورجوازي "
فلن يجديها فتيلا . لقد رأينا بلدانا كثيرة تشرع نفس الحقوق والواجبات لكل من الجنسين
ومع ذلك ظلت المرأة فيها موضع استغلال بشع يقوم به الرجل من جهة عامة والطبقة
المستغلة من جهة خاصة، مثل تدني الأجور والات جار بجسد المرأة . إن إختزال قضية
المرأة لتغدو مسألة حقوق مهدورة عمل معاد للمرأة نفسها حيث أنه يتضمن ولو بصورة
غير مباشرة التأكي د على حقوق الرجل والاعتراف بها ، و هذا أقصى ما يبتغيه
الرجل ليدفع ب المرأة إلى ما دونه. لذلك فإن المنظمات النسوية التي ترغب فعلا ف ي
تحرير المرأة تحريرا إنسانيا عليها أن تتقدم بجرأة إلى المطالبة بإلغاء كل الحقوق جملة
وتفصيلا ومنها بالطبع حق الرجل بامتلاك المرأة . على هذه المنظمات أن تكف عن
إدعائها الباطل بمساواة المرأة بالرجل ، المساواة التي لا تستدعي إلا احتسساب الحقوق
غير الم تساوية بف عل طبيعتها البورجوازية . القاعدة الأساس التي يبنى عليها وحدها
تحرير المرأة هي أن الإنسانية تتكون من جنسين لا تناقض بينهما سوى تناقض
الذكر/الأنثى اللاإنساني في الأساس والذي لا يحت مل المقارنة أو القياس بين طرفيه ؛
لذلك يجب أن يكون وجود كل من الجنسين وجودا حرا . كان حرا في الحياة الحيوانية
فيما قبل التاريخ وكذلك يجب أن يكون حرا في الحياة الإنسانية الراقية فيما بعد التار يخ
، تاريخ التناقضات الإجتماعية.
الشرخ الخطير الثاني الذي أحدثه تشريع الحق البورجوازي وما نجم عنه من
تقسيم للعمل الاجتماعي هو قسمة المجتمع إلى طبقتين متصارعتين طبقة صغيرة
تملك وطبقة كبيرة لا تملك . ومن أجل الحفاظ على موقعها الفوقي في المجتمع اتجهت
الطبقة الصغيرة المالكة إلى استغلال الط بقة الكبيرة غير المالكة مما إستوجب إهدار كافة
10
الحقوق البورجوازية للطبقة الكادحة ، ذات الحقوق التي مكنت الطبقة المست غلة ( بكسر
الغين ) من امتلاك ما تملك من وسائل استغلال وغيرها . فالحق البورجوازي ذاته
يقضي بأن ينال الأجير كامل أجره أو مردود عمله لكن المستأجر المالك للعبيد ،
للأرض ، للمصنع استطاع ويستطيع دائما أن ينقل المواجهة بينه وبين الأجير إلى
السوق الخلفية المواز ية المحمية من قبل السلطة حيث يتم انتهاك الحق البورجوازي
للأجير فيتخلى عن جزء صغير أو كبير من مردود عمله لمصلحة السيد المالك . ففي
السوق الرأسمالية الحرة مثلا يسود مبدأ الاحترام التام لحقوق الرأسماليين البورجوازية
(Production وتعرض منتوجاتهم باحترام متكافىْ لتعود عليهم بأثمانها الحقيقية
لكن هذه السوق (المحترمة) محرمة على العمال فهم لا يستطيعون عرض .Value)
قوة عملهم فيها وهي سلعتهم الوحيدة . السوق الوحيدة المتاحة لهم هي السوق الموازية
الخلفية الجائرة التي تشرعها وتحرسها الدولة بالقوانين والأنظمة . في هذه السوق
اللاإنسانية لا يجد العمال مهربا من التنافس في عرض قوة عملهم فيتبارون في التنازل
عن حقهم البورجوازي في الأجور لدرجة أن بعض الدول البراقة المظهر عملت على
تشريع حد أدنى للأجور .
في هذه الصورة الواقعية الدا مية والوحشية تبرز بصورة حادة فظاظ ة تعبير
" دولة الحق والقانون " .. حتى الحق البورجوازي اللاإنساني يداس وينتهك بقوة قانون
الدولة وبحم ايتها في السوق الخلفية الموازية، سوق العمل . بل ما هو أنكى من هذا هو
أن الاحترام التام الذي يتوفر لحقوق الرأسماليين البورجوازية في السوق الحرة لم يتأت
إلا من انتهاك حقوق ال عمال البورجوازية في السوق الخلفية الموازية غير الحرة . إنه
الوجه الآخر له .
السياسيون والمفكرون الاجتماعيون البورجوازيون لديهم شيء يدافع ون عنه دون
هوادةوباستمرار اسمه " دولة الحق والقانون ". إنهم يصرون على النظر إلى النصف
الظاهر من هذا الشيء رافضين الكشف عن النصف الآخر المستور كيلا يتبين الناس
11
حقيقة هذا الشيء بكليته وهو الذي لعب وما زال يلعب دورا خطيرا وحاسما في حياة
البشرية ورقيها الاجتماعي . لخيبة ظن هؤلاء المفكرين البورجوازيين فإن النصف
الآخر المستور يبين بشكل محسوس أصول وجذور ه ذا الشيء المسمى زورا
ِ ب " دولة الحق والقانون ". الأصول والجذور تتغذى تماما في تربة "اللاحق "
و"اللاقانون". فالدولة وبغض النظر عن طبيعتها هي الهيئة الموكول إليها تطبيق القانون
على جميع رعاياها والحفاظ دائما وأبدا على سيادة القانو ن. تبعا لذلك فإن منتوج الدولة
الرئيسي يجب أن يكون القمع . فالقمع هو الوسيلة الوحيدة لمعاقبة المخالفين للقانون
ولإعادة الخارج ين على القانون إلى مظلة القانون . وبافتراض أن قمع الخارجين على
القانون والمخالفين له هو القمع " الحق " فإن هذا القمع الحق لا يتم أصلا إلا من
خلال تنازل أفراد المجتمع جميعهم عن جزء من حقوقهم كالضرائب مثلا . وهذ ا
بحد ذاته هو عين " اللاحق ". فالدولة، أية دولة، هي قبل كل شيء وبعده أيضا ،
جسم طفيلي يعتاش على حقوق الأخرين الذ ين هم خارج هيئة أو هيئات الدولة . أما
القول بأن ثمة قمعً ا " حقًا " فهو قول لا يستقيم إلا بالتسليم بصحة الافتراض القائل أن
القانون، أي قانون ، هو قانون الدولة كما هو قانون الشعب بجميع أفراده دون استثناء ،
وهذا افتراض ليس مخالفا للنهج الديموقراطي في صياغة وتشريع القوانين فقط بل
ومرفوضا حتى من فقهاء القانون أنفسهم الذين يرون في القانون تجسيدا لمصالح
(عامة) وإلغاءً لمص الح (خاصة) . أما الدالة التي تحدد النقطة الفاصلة بين العام
والخاص فإن الطرف الذي يسن القانون والذي يعلن عن نفسه طرفا خارج يا مستقلا
تماما عن طرفي القانون، العام والخاص ، هو الذي يرسم الدالة ويحدد بالتالي النقطة
الفاصلة. بناء على هذه النظرة العلمية في فقه الق انون لا يكون القمع حقا إلا إذا كان
بمقدار أو بآخر " لاحقًا " .
ما قيل عن الحق يمكن أن يقال عن القانون ويزيد . فدائما ما يحدد القانون سلسلة
طويلة من ا لمفاهيم المتصلة به تحديدا دقيقا . إنه بذلك يرفض مفاهيم كثيرة أخرى منها
12
ما هو مجاور للمفاهيم المندرجة فيه ومن ها ما هو أقل تجاورا ومنها ما هو بعيد . وقد
يحدث أحيانا كثيرة أن المفاهيم والشروط التي لم يأخذ بها القانون وظلت خارجه
تستجيب لمصالح القس م الأعرض من المجتمع ومع ذل ك تبقى هذه المفاه يم
والشروط هي " اللاقانون ". فالدولة وهي تفرض القان ون هي بذات الوقت تف رض
" اللاقانون " بالاتجاه السلبي .
تعبير " دولة الحق والقانون " هو التجسيد الأبرز للتشويه والتزييف الذي لحق
بمفهوم الدولة. في هذا السياق تلح علينا ملاحظة لينين حين قال .. " ليس من مفهوم
جرى تشويهه أو تزييفه بصورة مقصودة أو غير مقصودة مثل مفهوم الدولة " .
حكومات الدول المتخلفة تحب أن تصف نفسها بأنها دولة الحق والقانون وأنها فوق
الطبقات. من المضحك حقا أن تكون هذه الحكومات على تعاستها هي أ صدق الحكومات
في مثل هذا الإدعاء ! فالمجتمعات في الدول المتخلفة لم تن م نموا طبقيا كافيا وذ لك بسبب
فقر وسائل الإنتاج لديها . ومن هنا فإن هذه الحكومات لا تنتمي إلى أي من طبقات
أو ما يشبه العصابة. أما أنها تعبر (Closed Circle) مجتمعاتها. إنها دائرة مغلقة
عن القانون الحق فذلك ليس صحيحا طالما أن هذه المجموعة من الرجال لم تنزل
من السماء بل قفزت فجأة دون سابق إنذار من إحدى الدوائر المعتمة في المجتمع
وبوسائل غالبًا ما تكون غير نظيفة وغير شرعية حتى بالشرع البورجوازي إلى دست
الحكم.
لا يجب أن نبالغ في السخرية من إدعاءات دول الدوائر المغلقة كونها من دول
الحق والقانون سيما وأن مثل هذه الإدعاءات المكشوفة إنما أطلقت من قبيل الدفاع عن
النفس . أما المثقفون ( الانتلجنسيا ) فإن دعواهم في البحث عن " دولة الحق والقانون "
يجب ألا تثير في نا الاستنكار فقط بل والسخط أيضا . الانتلجنسيا وبحكم دورها الاجتماعي
المأجور باستمرار لا تتورع عن أن تشوه الحقائق وتلوي رقابها كيما تسند طموحاتها
الدونكيشوتية. التجريد اللغوي والعربية من أخصب اللغات في التجريد تساعد
13
متثاقفينا بل تغريهم في الولوج في سفسطائيات جوفاء لا يخر جون منها قبل أن يفقدوا
رؤوسهم. فالحق في عالمهم السفسطائي يقابله " الحق المجرد " والقان ون
يقابله " القانون المجرد " وبذات التوازي يقابل الدول ة " الدولة المجردة " !! هكذا هو
خلق البورجوازي الوضيع فهو لا يخجل بعد تجريده من كل ما يستر عورته أن يخط
على قفاه " بورجوازي مجرد ". إلا أن جمي ع الدلائل حوله لا تقطع بصحة ذلك . فأي
حق ذلك الذي لا يشير إلى أية حقوق ؟! وأي قانون ذلك الذي لا يتحدث عن أية
محظورات وأية مسموحات ؟ ! وأي دولة تل ك التي لا تردع أحدا لتحمي الآخر ؟! .. حتى
إلى هنا يقودنا سقم السفسطائيين .
قام الحق بقيام الملكيةالفردية و بالتوازي سوف يختفي باختفائها . والانسان
المجرد من الملكية لي س له أو عليه أية حقوق أو واجبات . حينذاك سيموت الحق ويدفن
نهائيا ولا يبقى على وجه الأرض ما يذكر به حتى ولا ذلك التمثال الأصم الذي
نحته المثقفون وسموه " الحق المجرد " . الحق مثله مثل الضوء فكما لا يوجد في
الوجود ضوء مطلق كذلك لا يوجد في االحياة حق مطلق أو حق مجرد . كما أن العتمة
ليست هي الصفر الضوئي بل هي قيمة موجبة على مقياس الضوء . الصفر الضوئي
هو الظلام الكلي المطلق أي انعدام الضوء بصورة مطلقة وغيابه فيزيائيا.
مع بداية خمود شعلة الثورة الإشتراكية العالمية بعد إ نتصاف القرن العشرين بدأ
سقف ثورية المثقفين التقليدية في الانخفاض حتى بتنا نسمع منهم كلاما لا يقوله إلا
الرأسماليون وأنصارهم من مثل .. أن الدولة هي المؤسسة العامة التي يفوضها أفراد
المجتمع لحماية ملكياتهم والعلاقات ا لناظمة لها والمعبر عنها بقوانين . أي أن الشغيلة
الذين لا يملكون إلا قوة العمل في أبدانهم يفوضون الدولة لحماية م بادلة قوة عملهم
بأرذل سبل الع يش، بل إن العمال العاطلين عن العمل يفوضون الدولة بح ماية عطلهم ،
أي استمراره والذ ي هو من ضرورات النظام الرأسمالي !! مثل هذا الهذيان ليس قمينا
إلا بالازدراء . فمنذ أن حدد ماركس طبيعة الدولة وجوهرها مبينا أنها منظمة قمعية
14
تستبد بها الطب قة الحاكمة على الطبقات ا لمحكومة، منذ ذلك الحين لم يستطع أحد أن
ينقض أو يضيف إلى هذا المفهوم.
البورجوازية الوطنية عامة ومنها البورجوازيات العربية على وجه الخصوص
أفلست تماما سياسيا واقتصاديا حتى أنها باعت مشروعها الثوري رخيصً ا إلى البنك
الدولي والدول الإمبريالية الدائنة حين تأكد له ا الانطفاء الوشيك لشعلة الثورة الاشتراكية
العالمية. تحولت البورجوازية العربية الكبيرة إلى كومبرادور وضيع مطواع أما
البورجوازية الوضيعة، والمثقفون طليعتها ، فقد انسدت أمامها سبل التطور وأعيتها كل
حيلة سوى النفخ في قربة هي تعلم قبل غيرها أنها قربة مقطوعة م نذ أمد بعيد . هذه
القربة هي " دولة الحق والقانون ". هذا الجزء الرث من البورجوازية والذي أعجزه
فقره عن الانضمام إلى شريحة الكومبرادور العملاء ما انفك يحلم أنه عسى وبضربة
حظ أن يقنع الدوائر المغلقة الحاكمة بدعواه، دعوى دولة الحق والقانون ، فتفتح الباب
ولو مواربا أمامه لتسنح له الفرصة للانقضاض على السلطة أو حتى للاشتراك فيها
حبذا لو يقعد هؤلاء المتثاقفون صامتين لئلايسيئوا إلى أنفسهم وإلى غيرهم بل إلى
البشرية جمعاء من خلال ترويج دعاوى باطلة من أساسها .. هب أن طبائع الأمور
قد انقلبت تماما فقامت في العالم " دولة الحق والقانون " أفلا يعني ذلك سكون الحياة
المطلق ونهايتها . من سيسقط دولة الحق والقانون ؟ .. لا أحد بالطبع . إذا ستكون هذه
الدولة آخر دولة تعرفها البشرية. ستكون السجن الأبدي للإنسانية. ستكون الكارثة.
في حين يقبل مثقفونا بالدولة البورجوازية لا ب ل يأخذهم الحماس لتجميلها
بكل المساحيق التي ي عرفون من مثل "الحق " و "القانون " و "العدالة " و
"الديموقراطية" وغيرها، في حين يفعلون كل هذا فإنهم يملأون الفضاء بالزعيق
رافضين دولة الطبقة العاملة ويشنعون عليها بوصفها ب " التوتاليتارية "
و " الدكتاتورية ". يغضون النظر عن دكتاتورية الدولة البورجوازية مع أنهم أولى
الناس بتأكيدها إذ طالما عانت شعوب الدول المستعمرة والتابعة من اعتداءات الدول
15
الرأسمالية الموصوفة بالديموقراطية التي انت هكت سيادتها وداست على استقلالها . كل
ذلك لا يقطع بدكتاتورية الدولة الرأسم الية لدى مثقفينا فيزعمون أن دولة الرأسمالية
المتقدمة تبقى ديموقراطية داخل حدودها حيث لا غبار على سيادة القانون مثقفونا
بالطبع لا يعلمون أن أعضاء الأحزاب الشيوعية محرومون من الوظائف العامة في
كبرى الديموقراطيات الغربية مثل بريط انيا وألمانيا والولايات الم تحدة. بل إن نقابات
العمال في هذه الدول حتى تلك الموالية للسلطة منها تعاني كثيرا من مضايقات السلطة
بما فيها تبديل اللوائح والأنظمة . ولعلنا لا ننسى في هذا السياق تركيع عمال المناجم في
بريطانيا والذين يشكلون أ قوى النقابات على الإطلاق على يد المرأة غير الناعمة الليدي
ثاتشر.
أما التوتاليتارية أو الشمولية فهي قاسم مشت رك بين سائر أجناس الدولة . الفرق بين
توتاليتارية دولة العمال وتوتاليتارية دولة البورجوازية هو أن الأولى تحدد ل مواطنيها
كيف يعيشون وكيف يلبسون ، أين يسكنون وكي ف يعتنون بصحتهم ثم ماذا يتعلمون ! أما
الثانية فإنها تحدد لمواطنيها كيف يعيشون وكيف يموتون أيضا ، كيف يجوعون ويعرون
ويتشردون بلا عناية صحية وبلا تعليم ! الدولة البورجوازية تدعي أنها توفر لمواطنيها
تبعا لطبيعتها ( الديموقراطية ) كل الخيارات الحرة ، تلك الخيارات التي تندرج في
قائمتين متناظرتين : قائمة كيف تعيش مقابل قائمة كيف تموت . لئن كان مثقفونا
الرافضون لدكتاتورية البرول يتارياع لى جانب من الفطنة لدرجة اسقاط قائمة
" كيف تموت " من الخيارات الحرة فإن الفطنة تخونهم وهم يعتبرون قائمة " كيف
تعيش" هي فعلا من الخيارات الحرة . لئن كان هذا صحيحا فإن سوا د الناس في كبرى ما
يسمى بالديموقراطيات الغربية يختارون بإرادتهم الحر ة ألا يعيشوا حياة عائلية مكتملة ،
وأن الشباب فيها يختا رون قطع تعليمهم والانصراف للعمل ، وأن الكثير م ن النسوة
يخترن الاتجار بأجسادهن !! أما حرية الرأي التي يقدسها المثقفون فإنها تظل مقبولة
على الدولة البورجوازية طالما بقي الرأي الآخر محروما من وسائل النشر . إن أي
16
دراسة معمقة لنشاطات الدولة البورجوازية ولفعالياتها الظاهرة والخفية سوف تبين بكل
وضوح أن شمولية الدولة البورجوازية هي أ شمل بكثير من شمولية دولة العمال . إنها
تتسع حتى تشمل الفوضى ذاتها حيث أن فوضى الإنتاج هي خصيصة لازمة للنظام
الرأسمالي. كما أن دكتاتورية الدولة البورجوازية هي أكثر سطوة وعنفا من دكتاتورية
العمال. فالعنف الذي مارسه الحزب الشيوعي السوفياتي في العشرينات والثلاثينات من
القرن الماضي من أجل توطيد دعائم الدولة لا يساوي نقطة من م حيط من العنف الذي
مارسته الدولة البريطانية ضد مواطنيها حيث وصلت عقوبة الطفل الذي يخطف رغيفا
يسد به رمقه في القرن السابع عشر حد الإعدام أو في أفضل الحالات الن في النهائي إلى
القارة الأميركية.
يحذو مثقفونا حذو الإعلام الغربي فيس بوا دكتاتورية البروليتا ريا واص فينها بالدولة
الستالينية. تزييف هذه الشتيمة يتخفى بحقيقتين هامتين : أولاهما أن الدولة السوفياتية
بقيادة ستالين 1922 1953 كانت ف علا دولة دكتاتورية البروليتاريا . وثانيهما أن أداء
الدولة السوفياتية خلال النصف الثاني من عمرها 1954 1990 كان أسوأ إداء حت ى
انتهى بها إلى الإنهيار الكامل . لكن ثمة حقيقتين هامتين بالمقابل تكشفان زيف هذ ه
الشتيمة ومدى التضليل المقصود من ها. أولاهما أن النجاحات التي حققتها الدولة
السوفياتية بقيادة ستالين ما زالت مثار دهشة الأعداء قبل الأصدقاء ولم يكن سح ق ألمانيا
النازية أدعاها للدهشة . وثانيهما أن الدولة السوفياتية فيما بعد ستالين لم تعد دولة
البروليتاريا بل " دولة الشعب كله " كما أعلنت عصابة خروتشوف بريجينيف ذلك
بملء فيها.
ربَّ من يعتقد أن مفاهيم الدولة والحق والقانون ليست ذات صلة وثيقة بحياتنا
السياسية. على هؤلاء أن ينتبهوا إلى أن سوء ف هم هذه المحاور الأساسية في بناء
المجتمعات من شأنهأن يؤدي إلى أخطاء ذات تداعيات مصيرية . القوميون مثلا
ومثلهم الإسلاميون ما فتئوا يناضلون من أجل بناء دولة ذات م واصفات مطابقة تماما لما
17
يعتقدون، وما فتىء الإسلاميون يمهدون السبل ولو بقوة السلاح من أجل مبايعة
المسلمين جميعا لخليفة لا يضاهيه صدقا وعدلا وأمانة وتقوى إلا أبو بكر وعم ر بن
الخطاب أو عمر بن عبدالعزيز . هؤلاء واولئك لم يدركوا بعد أن الدولة لا تتشكل وفق
معتقدات معينة حتى ولو حمل مثل هذه المعتقدات كل الشعب . فالدولة لا تنزل من
السماء وفقا لوصفات مسبقة إنه ا تنبت من الأرض ونسيجها من عناصر تربة ت لك
الأرض. المصالح الحق يقية العظمى لهذا المجتمع أو ذاك، وليس أي شيء آخر ، هي التي
تشكل الدولة ، تشكل الحق وتشكل القانون .
18
العَلمانية أم الإكليركية ( أو الإمامة )
الحياة العرب ية بصورة عامة والح ياة السياسية منها على وجه الخصوص تترى
بالنقائض والمفارقات الغريبة والمضحكة حقًا. وأول هذه المفارقات هو قيام السلطات
الحاكمة بحماية الخطاب الدي ني وتوفير مظلة مناسبة تسمح له في كل الظروف
بالطغيان على سائر الخطابات الأخرى ؛ ويجب أ ّ لا يده ش المرء كون هذه الحماية تتحقق
بقوة القانون المسنود بالقمع الشد يد اللاإنساني واللارحماني . ظل الأمر كذل ك حتى بعد
أن انق لب الخطاب الديني خ لال العقدين الأخ يرين انقلابًا تامًا ليتج ه ضد حماته .
استمرار الحماية لا يُعقل أن يكون بفعل الاستطراد حيث كانت السلط ات قد و ّ ظفت
الخطاب الديني في الدفاع عن ولايتها غ ير الشرعية دائمًا وغير النظيفة في معظم
الأحيان. لا ب دّ إذًا من أن هذه السلطات غير الشرعية ما زالت تستفيد من هكذا
خطاب حتى وإن اتجه ضدها . ما يستحق التأمل طوي ً لا في هذا المقام هو أن مثل هذه
الحماية المشبوهة وغير الديموقراطية للخطاب الديني لم ت كن موجودة خلال الق رون
الثلاثة الأولى للإس لام حيث كان المف كرون والفلاسفة الع رب يبحثون ويج تهدون
بكل حرية ودون رقيب أو حسيب في كل أمور الدين دون استثناء حتى في طبيعة الذات
الإلهية. بدأ حظر ذل ك فقط حالما فقد العرب ال سيادة في بلادهم حين دخل الفرس
البويهيون بغداد فاتحين وأخضعوا العرب وخليفة المسلمين لتبعيتهم عام 946 م وحولوا
الخليفة إلى مجرد مفتى . ثم أخمدت الأنفاس تمامًا بعد أن ه زم الأتراك السلاجق ة
البويهيين واح تلوا بغداد عام 1055 م خاصة وأن هؤلاء السلاجقة هم من الس ّنة الذين لا
يحبذون الاجتهاد بخلاف الشيعة والبويهيون منهم . العرب هم أمة الإسلام وأهلهومع
ذلك لم يمارسوا التعصب الديني كما مارسه الفرس والأتراك وذلك لأن تأقلم ه ؤلاء
الأغراب في الإق ليم العربي كمدخل لح كم العرب لم يكن ميسورًا إن لم يكن مستحي ً لا
إ ّ لا من خلا ل الهويّة الدينية التي كانوا يغالون في التأكيد عليها من باب التعويض عن
19
خصائص الهوية الأخر ى المفقودة فيهم والمستحيلة عليهم . هكذا أغلق الغرباء باب
الاجتهاد الديني على العرب أو ً لا وعلى المسلمين من بعد منذ منتصف الق رن ال حادي
عشر للميلاد وحتى مطلع الق رن العشرين 1916 أي لعشرة قرون طويل ة وهو ما
زال مغلقًا بفعل الاستلاب .
والمفارقة ال ثانية ه ي أن أئمة الخ طاب الديني المس يس يؤسسون خ طابهم على
دعوى الديموقراطي ة والديموقراطية كما هو معروف ذات نس يج مخ تلف تمام
الاختلاف عن نسيج الخ طاب الديني . إن أيًا من هذين النسيجين لا يقبل الإلتحام أو
حتى مج رد التآلف مع النسيج الآخر، فكيف بأحدهما يُتخذ أساسًا للآخر ! ليس هذا إ ّ لا
من ألعاب الح واة ومع ذلك يحظى بموافقة وقبول جميع ا لسلطات الحاكمة في العالم
العربي! ولعل هذا القبول يندرج في إطار صيح ة الموضة الديموقراطية التي
تطلقها هذه الأيام ك برى الهي ئات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدول ي والبنك
والسوق الأوروبية المشتركة . (G الدولي ومنظمة ال دول الصناعية السبع الكبرى ( 7
هكذا تهرب هذه السلطات إلى الأمام ، تخشى المواجهة الحرة فتقوم بت كسير
القوانين وتعهير ديموقر اطيتها التي صنعتها بنفسها . لع لها تفضل تعهير
الديموقراطية في مواجه ة الإكليركيين دون العلمانيين عّلها تج د بين العلمانيين من
يشجعها ويصفق لها أو لعلها تحسب أن في مثل ه كذا مواجهة خطورة أقل على
مصائرها. لكن وبغض النظر عن كل هذا فأن يطالب الإكليركيون بنظا م إكليركي
على أساس استكمال العبادات هو مطلب له اع تباره أما أن ي طالبوا به على أساس
من الديموقراطية فهو أمر ليس في سياقه ومتناقض مع ذاته .
وأما المفارق ة الثالثة والتي تستدعي التفكير والتفسير أك ثر مما تستدعي
الدهشة والعجب فهي أ ن القرن العشرين كان بح ق قر ن الثورة والثوار ، فقد ش غلت
معظمه أع ظم ثورتين في تاريخ البشرية ألا وهما الثورة الاشتراكية والثورة الوطنية
ثم فج أة يتح ول ربعه الأخ ير إلى ع صر الرجعة، عصر الردة ، عصر ان هيار
20
الثورات – أمست الاشتراكية رزي ّة وأمسى الاس تقلال الوطني بلي ّة !! هذه حقيقة لا
مراء فيها ؛ لكن بالنسبة للإسلاميين فان هذا العصر، عصر ا نهيار الثورات تحديدً ا، هو
ذاته عصرالصحوة الإسلامية ! يحار المرء حول كيفية إدراك الإسلاميين لهذا التصادف
إن كان حقًا هو محض تصادف!!
الوقوف أم ام هذه المفارقات الغريبة الثلاثة أمر مفيد وضروري للوصول إل ى
المدخل الصحيح لمناقشة موضوعة العلمانية ، هذه الموضوعة التي أصبحت في عصر
الرِّدة الموضوع الأث ير لدى الخطاب المتأسلم قاف زًا بذلك قفزًة مشبوهة عن مختلف
قضايا الحياة اليومية لجماهير الشعوب العربية لا بدّ هنا من تذكير الذين ق فزوا مثل
هذه القفزة الدونكيشوت ية بأن معالجة قضايا الشعوب اليومية لا يمكن أن تتم إ ّ لا وفق
المنهج الع لماني طالما أنها تضع مصالح الناس المادي ة هدفًا لها . كما يستحسن في
هذا المقام أن نذكر بالتقدير أولئك الإسلاميين الذين أولوا قضايا شعوبهم كل اهتماماتهم
ونضالاتهم ونفروا من المبارزات الدو نكيشوتية التي اشتهر بها أئمة القنوات الفضائية
النفطية يحذروننا من أن العلماني ة هي أصل كل عّلة وداء وأن الإنفكاك منها هو
الحل، حل جميع إشكالات الحياة الدنيا!
ليس أكثر من باب الاحتجاج على دع اوى هؤلاء الأئمة المنتفخ ة ج يوبهم
بالبترودولارات نع ود إلى تفح ص دعواه م التي نؤكد أنها غير مستوفية للشروط
القانونية التي تجعلها مؤهل ة لأي اع تبارات جد ية. فالانفكاك من العلمانية يعني
مباشرة العبور إلى الإكليركية وإيلاء السلطة كل السلطة ل لإكليروس، رجال الدين أو كما
يصر المتأسلمون على تسميتهم " علماء الدين ". رجال أ و علماء الدين في تلك الحالة
سوف ينظمون كل أمور المجتمع لصالح هم هم وليس لصالح أي فئة أخرى ، لصالحهم
باعتبارهم على الأق ل خلفاء الله على الأرض . دولة كهذه لا تكون إ ّ لا علمانية أيضً ا
لكنها نفاقًا تتزيّا بزي الإكليركية أو الإمامة أو الخلافة وقد جربت الشعوب خلال
العصور المظلمة مثل ه ذه الأشكال من السلطة سواء في الغرب المسيحي أم في
21
الشرق المسلم فلم يرها أحد هناك إ ّ لا سلطة إقطاعية ولم يرها أحد هنا إ ّ لا سلطة أبوية
ريعية. دولة الأساقفة أو الأئمة تزعم أنها تقود قوى الإنتاج لمصلحة الله تعالى
والمؤمنين ل كن الله ليس بحا جة لأي من مخرجات الإنتاج وأما المؤمنون فليس من أحدٍ
من بني البشر يستطيع أن يصّنف ويدرّج ع باد الله حسب إيمانهم ويوزع بالتالي مجمل
الدخل الوطني ع ليهم وفق هذا التدريج . بل وحتى إن تيسر ذلك فأي حقٍ هو هذا
الحق الذي يُسلب المنتجون بموجبه من إنتاجهم كي يُعطى لمن لم ينتجه من
المؤمنين كما كان سيفعل عمر بن الخطاب حين وعد .. " َلئِن سّلمني ألله
َليَأتِيَّنَ الراعي نصيبه من هذا المال لم يعرق جبينه " لاحظ قال الراعي بدليل
الإنتاج وليس بدليل الإيمان . كان الإسلام أكثرالثورات التصاقًا بالمفاهيم الدينية لكنه مع
ذلك لم يستطع أن يش ّ كل طبقة جديدة تقود الم جتمع. اضطر مسلمو السقيفة لدى وفاة
الرسول أن يو ّلوا قبيلة قريش كل السلطة ( الخلافة في قريش ) كما كان الأمر قبل
الإسلام ثم ما لبث الأمويون أن استعادوا الزعامة في الجزيرة م ثلما كان عليه الحال قبل
الإسلام. خلاصة القو ل هو أنه ليس في الحياة نظام ح كم غير ع لماني. جميع
الأنظمة ع لمانية بمعنى أنها تح كم لمصلحة طبقة أو فئة في مجتمعها ولو أن كرت
ذلك. بعضها ينكر بحج ة العلماني ة والبعض الآخر بحجة اللاع لمانية، الإكليركية أو
الإمامة. جميعها تدير الدولة والمجتمع بحساب المصالح الحقيقية على الأرض وليس
غير هذه ال مصالح. ولعل المرء يستطيع أن يذهب أبعد من هذا فيدعي أن جميع
الأحكام التي يدمغها رج ال الدين على أنها أحكام سماوية إنما هي في ا لأصل
أحكام أرضية أوجدها الإنسان ، عرفها وطبقها قبل أن تتبناها الس ماء وتوصي بتطبيقها.
وليس أدل على ذلك من أن ش ريعة موسى هي ذاتها شريعة أخ ناتون أحد فراعنة
مصر 1350 1334 ق م وهو م عاصر للنبي موسى وقام بثورة دينية وأتى بدين
جديد هو أول دين توحيدي . وأن ما يدعى ب ( سرّ المعمودية ) المسيحي كان الصابئة
قد عرفوه قبل أن تكشف عنه ال سماء ليوحنا المعمدان بأم د طويل . بل حتى أن بعض
22
طقوس الع بادة من مثل الصوم والح ج إلى البيت الحرام كان الإنسان قد مارسها قبل
أن ُترسل إليه الرسالات السماوية . بناء عليه يكون تعبير "القوانين أو الأحكام الوضعية "
الذي يستخدمه كثيرًا رجال الدين تعبيرًا غير ذي دلالة حقيقية طالما أن الإنس ان كان قد
عرف جميع القوانين التي تبنتها السماء وأوصت بتطبيقها . ولذلك جاءت أح كام هذه
القوانين على درجات منها ما هو محرم ومنها ما هو غير مستحب و منها ما هو مسموح
كما جاءت ظرفية . فإبراهيم الخليل أبو الأنبياء تزوج من أخته غير الشقيقة سارة ومع
ذلك فإن المؤمنين يعتقدون بأن الله بارك في نس لهما من ابنهما اسحق مع أن
الرسالات السماوية ج ميعها حرمت الزواج من الأخت تح ريمًا قاطعًا واعتبرته من
الكبائر. كما أن الوحي القرآني المبكر لم يح رم تناول الخ مور بل حب ّذ اج تنابها
فقط. وكم من آية قرآنية عبّرت عن معنى " ما جئتك م إ ّ لا ما هو بين أيديكم "، وهو ما
يعني أن كل الأحكام الواردة في القرآن هي في أصولها وضعية قبل أن تكون سماوية.
تبيّن لنا مثل هذه الإضاءة الاستهلالية أن التناقض العلماني /الإكليركي إنما هو
تناقض ظاه ري خادع ولا ي قوم على أي أساس من الحقيقة . ولئن ج اء الدين
لخير الناس كما يتوافق كبار أئمة المسلمين فإن العلمانية ليست أكثر من منهج غايته
الأولى والأخيرة خ ير الإنسانية. أما حجة الإكليركيين بأن الإنسان لم يخلق على
الأرض إ ّ لا ليكرم الله في السماء فتبطلها حجة العلمانيين التي تقول أن الإنسان غير
المكرّم في الأرض لن يكون لديه ما يكرّم به الله .
لماذا إذًا يندفع الإكليركيون – من غير أئمة القنوات الفضائية النفطية بالطبع -
بإصرار عنيد إلى تأجيج الصراع مع العلمانيين ؟ يظن الإكليركيون أن الله أوكل أمر
هذا العال م إليهم قبل أن يغيب في السماء ، لهم وحدهم أن ينظم وه وف ق ما يرون ه
متفقًا مع ش ريعة الله التي هم بها أدرى . أما العلوم السياسية والاجتماعية
والاقتصادية فليس للبشرية حاجة بها بل إنها تفسد الأحكام الإلهية كما يرى
الإكليروس !! يقولون كل شيء وأي شيء ثم يقسمون بأن الله من وراء القصد والله

No comments: