Sunday, April 8, 2007

قضايا معاصرة " فؤاد النمري "

في المسألة القومية
نهض العرب قبل أربعة عشر قرنا نهضة كبرى بعصبة الدين كما يعتقد الكثير من
المؤرخين العرب، وفي مطلع هذا القرن شرع العرب ينهضون بعصبة القومية فلم
ينهضوا، فهل يشير هذا إلى أن العصبة الدينية أقوى وأعظم تأثيرا من العصبة القومية ؟
مثل هذا السؤال المقارن يفتقد كثيرا من الشرعية وذلك لأن الحرب بحد ذاتها كانت في
العصور المظلمة وسيلة إنتاج غنية وفعالة أما اليوم فإنها وإن كانت وسيلة حماية لا
غنى عنها بل وحتى عاملا فاعلا في تطوير وسائل الإنتاج في جانب من الجوانب إلا
أنها في النهاية استنزاف حقيقي للإنتاج ولوسائله، ودول المواجهة للعدو الصهيوني خير
مثال على ذلك. لكن هذا النقص في الشرعية يجب ألا يحرف انتباهنا عن حقيقة أن
العرب كانوا قد استنزفوا كل نشاطاتهم الفكرية في الشؤون الدينية بكل تشعباتها
وتفرعاتها الكثيرة في حين أنهم لم يبذلوا جهدا فكريا يذكر في المسألة القومية بالرغم من
أنها احتلت أعلى الرايات في النهضة العربية الحديثة. لعلهم يتوهمون أن ثمة تعارضا
بين المسألتين غير أن الحقيقة ليست كذلك. ففسيفساء القوميات في طول العالم
وعرضه هي ذاتها فسيفساء الأديان ، أي أن لكل قومية دينها الخاص بها المختلف عن
دين القومية المجاورة ولو حتى باختلافات لا تلحظ. فالبروتستانتية اللوثرية في
ألمانيا تختلف عن البروتستانتية الأنجليكانية في بريطانيا والإسلام السني في
الباكستان يختلف عن الإسلام الشيعي في إيران، بل إن إسلام السعودية السّني الوهابي
يختلف عن إسلام اليمن السّني اليزيدي، وهذا وذاك يختلفان عن إسلام عُمان علما
بأن شعوب هذه البلدان الثلاثة هي من ذات القومية العربية. وهناك سبب آخر لهذا
القصور الفكري وهو خشية الباحث في موضوع العصبة القومية من الإنزلاق عن
المسار الدقيق لهذا البحث في منزلقات الشوفينية أو الكوزموبوليتية فيكون عرضة
للهجوم والنقد الجارح. لذلك وبكل الحذر المطلوب يجب أن نبحث في ماهية العصبة
50
القومية دون أن نلوم الذين يقدمون أنفسهم على أنهم قوميون طالما أنهم غير مؤهلين
لمثل هذا البحث بسبب عصبيتهم القومية أكثر مما هو بسبب فقر وسائل البحث لديهم
.
القومية في علم الكلام المجرد هي إسم الجمع لكل ما هو قومي. والقومي هو صفة
النسبة إلى القوم. والقوم إشتقاق من فعل قام يقوم بمعنى نهض ووقف وذلك يعني أن
القوم هم جماعة من الناس تقوم ناهضة معًا لفعل شيء معين. أي أن ثمة عصبة تشد
أفراد الجماعة إلى بعضهم ليقوموا قومة رجل واحد ولا يقعدوا إلا سويا. فهل عصبة
القوم هذه هي الأم الشرعية للقومية؟ إنها ليست كذلك بل انها معارضة ونافية للقومية
والأمثلة على ذلك كثيرة في حروب أقوام عربية من مثل بكر وتغلب وعبس
وذبيان والغساسنة واللخميين وحتى حروب المسلمين ضد كفار قريش حيث شكل
المسلمون تحالفا من عدة أقوام، وكمعركتي صفين والجمل بين الهاشميين والأمويين
بالرغم من أنهم من قوم واحدة وهي قريش. وما أكثر الأمثلة على ذلك في تاريخ العرب
الحديث .
عامة القوميين يعتبرون الفتوحات الإسلامية شمال الجزيرة العربية حروبا قومية.
يمكن مناقشة مثل هذا الرأي لو كان أهل سوريا والعراق من غير العرب أو أنهم من
العرب واستغاثوا بعرب الحجاز لتحريرهم من طغيان الفرس والروم. الأمر كان
على العكس من ذلك تماما حيث كان أول من جابه الجيوش الإسلامية المتجهة إلى
الشمال، سوريا والعراق، هم العرب من الغساسنة والمناذرة. كانت الإمبراطوريات
الكبرى تقيم ممالك أقوام بعينها على حدود إمبراطورياتها البعيدة لتدفع بالأعداء
بعيدا عن حدودها ولتضمن مصالح الامبراطورية في الأطراف النائية. أقام الفرس
مملكة للخميين وعاصمتها الحيرة، قرب الكوفة، وأقام البيزنطيون مملكة للغساسنة في
جنوب سوريا الكبرى وعاصمتها بصرى الشام. أول من قاوم جيوش المسلمين كان
الغساسنة واللخميين. مؤرخو السلطان زيفوا علينا دوافع الفتوحات الإسلامية فمنهم من
51
وصفها ببعث ديني ومنهم من وصفها ببعث قومي إلا أن الرسالة التالية تقول غير ما
يقولون قال قاضي القضاة أبو يوسف في كتابه " الخراج " ... " لما قدم على عمر
بن الخطاب .. مكتوب سعد بن أبي وقاص بشأن قسمة أرض السواد بالعراق على
الجند ، شاور عمر الصحابة فقال .. كيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض
بعلوجها قد قسِّمت ووُرّثت وحُيّزت .. ما هذا برأي فقال له عبدالرحمن بن عوف :
ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء ألله عليهم . فرد عمر عليه : فإذا قسمت أرض العراق
بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور وما يكون للذرية ؟ " ص 26 و 27
مثل هذه الرسالة تعكس بكل وضوح طبيعة القوى الدافعة للفتوحات العربية الإسلامية.
فعمر بن الخطاب رأى في أن تظل الأراضي المفتوحة بعلوجها ملكا لبيت مال المسلمين
من أجل الإنفاق على الحروب ومعاش أهل الإسلام في المدينة تحديدًا؛ بينما رأى
عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص أن هذه الأراضي وما عليها من علوج إنما
هي رزق من عند إلله للجند الفاتحين وعليه يجب توزيعها على الفاتحين. النظام
الإجتماعي الذي تنزلت في أكنافه رسالة الإسلام كان نظام العبودية لذلك علينا ألا
نستغرب اعتبار أراضي العراق والشام وسكانها من العرب مجرد غنائم حرب للفاتحين
اقتسامها؛ فالدين أي دين ليس من وظائفه تجاوز النظام الاجتماعي القائم وهو ليس بقادر
على ذلك في جميع الأحوال طالما أن النظام الاجتماعي لا تعيّنه إلا وسائل الإنتاج
وأدواته. ومع ذلك ما كان يجب اعتبار عرب الشام والعراق مجرد علوج والعلج هو
الجلف من الرجال الذي لا خير فيه إلا قوة العمل أو العبد الذي لا يستحق أكثر من
العبودية مثل هذه النظرة الدونية، وهي وإن تغاير القيم الإسلامية لا فضل لعربي
على أعجمي إلا بالتقوى فإنها تخلو تماما من أية مشاعر قومية علما بأن العرب
المناذرة كانوا من ذوي الحضارة المتقدمة آنذاك حيث كانت عاصمتهم الحيرة مركزا
عالميا للثقافة والفنون والعلوم والترجمة لا مثيل له في كل الجزيرة بل إن العربية
وهي لغة القرآن كانت قد تخّلقت في عاصمتهم. اتفق الخليفة والصحابة وقادة الجند
52
على اقتسام غنائم الحروب وكانت كثيرة. فعبد الرحمن بن عوف الذي رأى في
المغلوبين، هم وأموالهم وأراضيهم وحيواناتهم، فيئا من ألله امتلك، كما كتب المسعودي،
إسطبلات حوت ماية حصان كما امتلك ألف جمل وعشرة الآف رأسا من الأغنام ولدى
وفاته بلغ ريع ممتلكاته 84 ألف دينارا سنويًا. أما الخليفة عثمان بن عفان فبلغت ثروته
عند اغتياله ماية ألف دينارا ذهبيا ومليون درهما فضيا بالإضافة إلى عقارات بقيمة مائة
ألف دينارا. وامتلك الزبير بن العوام بيوتا في الكوفة والبصرة والفسطاط (القاهرة)
والاسكندرية وألفا من العبيد والإماء وألف حصان وعقارات أخرى في جميع المدن
المذكورة، ولدى وفاته عُد النقد ملكه بخمسين ألف دينارا. وصحابي آخر هو طلحة بن
عبيدالله التيمية وصل دخله من إقطاعاته في العراق، كما كتب المسعودي، إلى ألف
دينارًا يوميا وأكثر من هذا المبلغ من إقطاعاته في الشراه. وثمة صحابي آخر بلغت
أمواله مليون دينارا ونصف المليون. هؤلاء الصحابة لم يمتلكوا قطميرا حين هاجروا
من مكة إلى المدينة ثم في سنوات قلائل راكموا هذه الثروات الهائلة حتى بمقاييس
عصرنا. هذا يؤكد لنا بوضوح تام أن حروب العصور الغابرة كانت وكما رآها ماركس
وسيلة إنتاج غنية .
الواحات القليلة والفقيرة في الحجاز لم تعد تقوم بأود سكانها لدى ظهور الإسلام
فكانوا يموتون جوعا كما في قصة أبناء أبي طالب رغم أن جدهم كان أمير السقاية
للحرم المكي، بل إنهم كانوا يضطرون إلى وأد بناتهم تجنبا لغائلة الجوع. ذلك التناقض
الملح بين فقر وسائل الإنتاج من جهة والتكاثر الطبيعي للسكان من جهة أخرى، خاصة
وأن الرجل منهم كان يتزوج عددًا غير محدود من النساء، لم يتوفر له حل سوى الحرب
وهي الوسيلة الجديدة التي وفرتها الرسالة الإسلامية الجديدة أيضا. إنها في النهاية
الهجرة السامية الأخيرة ولا تختلف عن الهجرات السابقة لها.
الزعم بأن الفتوحات الإسلامية إنما كانت نهضة قومية عربية فذلك تكذبه حقيقة
أن الأراضي بعلوجها التي أقتسمت وورِّثت وحيِّزت، بتعابير الخليفة عمر بن الخطاب،
53
لجند الفاتحين الجدد ولرجال الإدارة من ورائهم كإقطاعيات وعبيد إنما كانت أراضي
عربية وأقواما عربية لها ممالك مستقلة نسبيا في العراق والشام، والثروات التي
استعرض المسعودي عينة منها ليست إلا مما نهب هؤلاء الفاتحون من تلك الأقوام
العربية لم يتكلم الغساسنة العربية حيث أنهم كانوا قد هاجروا من جنوب الجزيرة إلى
الشمال قبل القرن الثالث للميلاد القرن الذي شهد ولادة اللغة العربية، ولم يدينوا بالاسلام
لكنهم كانوا عربا أقحاحا وأكثر أصالة من بعض الأقوام الإسلامية الغازية .
الجامعة القومية لم يكن لها أي أثر في معارك المسلمين أو في تشكيل جيوشهم .
كانت الجيوش تتشكل من سرايا بحيث تكون لكل قبيلة سرية أو أكثر ولا تحتوي هذه
السرية أي جند من القبائل الأخرى. وتدخل هذه السرايا المعركة على ذات النسق بحيث
تكون كل جهة أو ناحية من المعركة من مسؤولية قبيلة بعينها أو أكثر. حتى العصبة
الدينية لم تفعل فعلها على هذا الصعيد. فقد تشكلت الجيوش العربية الإسلامية على ذات
النسق الذي تشكلت وفقه القوافل التجارية قبل الإسلام.
العلاقات التي كان يقيمها العرب المسلمون الفاتحون مع شعوب البلدان المفتوحة
لم تنمّ عن أية عصبة تجمع ما بين الطرفين. فحين كانوا يدخلون مدينة من المدن
السورية أو العراقية أو المصرية فإنهم لا يختلطون بأهلها بل يقيمون في حاميات في
أطرافها. منها يحكمون ومنها يجمعون الجزية والخراج والأنقاز (الضرائب العينية) لهم
وللخليفة دون أن يتفاعلوا أيما تفاعل حتى مع من يدخلون الإسلام من أهل البلاد. لقد
بلغ خراج أرض السواد في العراق لسنة واحدة في عهد الخليفة عمر بن الحطاب ستة
وثلاثين مليون درهما بالإضافة إلى الأنقاز من التمر والتمن والفواكه المجففة والملابس
والأنعام. ولعل عمرو بن العاص يقدم لنا صورة أوضح .. فعندما لم يرض عثمان بن
عفان عن حجم خراج مصر إقترح على عمرو أن يتفرغ للحكم العسكري ليعين شخصا
آخر يجمع الضرائب. رفض عمرو بن العاص إقتراح الخليفة قائلا .. " يريدني أن
54
أمسك بقرني البقرة ليحلبها شخص آخر " . فهل ثمة فرصة إزاء هذه الصورة البليغة
للحديث عن عصبة قومية تجمع البقرة بالرجل أو الرجلين اللذين يقومان بحلبها ؟!!
جاءت العصبة الدينية الإسلامية لا لتكون أوسع وأشمل من عصبة القوم
والقبيلة بل لتحلها وتتخلص منها نهائيا. لذلك جاءت إحدى الآيات القرآنية
تقول .." .. إنا خلقناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند ألله أتقاكم " في هذا
المعنى رفض لهيكلة الحياة الإجتماعية في هيكل القبيلة والقوم، وفيه حض على
الإنصهار في بوتقة واحدة هي (الأمة) الإسلامية .. " وكنتم خير أمة أخرجت للناس "
. وفي آية أخرى .. " والشعراء يتبعهم الغاوون " ..لقد حذر الإسلام من الشعراء الذين
مثلوا منابر تمتدح قبائلها وتهجو القبائل الأخرى الأمر الذي كرس الحياة القبلية وحال
دون تعرف القبائل والشعوب على بعضها البعض كما طالبهم الإسلام بذلك. جهدت
الدعوة الإسلامية في حلحلة وثاق العصبة القبلية أو عصبة القوم إلا أن هذه العصبة
أثبتت على أنها لا تستبدل بعصبة العقيدة أو الدين ولا عجب في ذلك فعصبة القبيلة أو
القوم تتغذى في الأساس على علاقات الإنتاج القائمة في المجتمع البطريركي المعتمد
على الحياة الرعوية والزراعية البدائية في حين أن عصبة العقيدة أو الدين لا تعتمد إبدا
على أية أسس مادية. ظل شعراء العصر الأموي بالرغم مما طرأ على الحياة
العربية من تقدم حضاري، ظلوا شعراء أقوامهم. الخلافات الإسلامية جميعها بدءا
بالخلافة الراشدة وانتهاء بالخلافة العثمانية ظلت موضع نزاع قبلي. كما اعتمدت نظام
الدولة الريعية وهو ما يعني أن المركز الذي احتله على الدوام قوم بعينهم كان يتغذى
على حليب الأبقار الأمصار التي كانت تصل إليها يد الخلافة. كان المركز يحلب هذه
الأبقار الأمصار دون أن يوفر لها أية حشائش أو أعلاف تساعدها على در
الحليب. أي أن نظام الدولة الإقتصادي الذي كانت تعيّنه أدوات الإنتاج البدائية السائدة
آنذاك ما كان ليتجاوز الاقتصاد الريعي الذي لا يشكل إلا نصف حلقة غير قادرة على
الدوران أو طريقا باتجاه واحد الذاهب فيه لا يعود. مثل هذا النظام الريعي لا يساعد
55
إطلاقا على إقامة أي عصبة مهما كانت واهنة. لذلك رأينا تاريخ الدولة الإسلامية
يتمحور منذ البداية وحتى النهاية على صراع الأقوام .. الهاشميون ضد الأمويين ،
الأنصار من الأوس والخزرج ضد كّفار قريش ولم يقل كفار مكة ثم الأمويون
ضد الهاشميين ، العباسيون ضد الأمويين. لقد وصلت هذه الصراعات حد حروب
الإبادة والاستئصال في الإبادة والاستئصال يغيب بالطبع كل رباط .
كان بإمكان المصري أو السوري أو العراقي أن يشتري الدار الآخرة ببعض
ماله أو حتى بكل ماله غير أنه من المستحيل إقناعه بأن عليه أن يدفع سنويا للخليفة في
المدينة او دمشق أو بغداد أو القاهرة أو إسطنبول ثمن هذه الدار. كان يستطيع تلاوة
القرآن تلاوة صحيحة ويقوم بأركان دينه بنفسه دون مساعدة من الخليفة أو السلطة
المركزية. صحيح أن الخليفة كان يوفر له الحماية لكن تلك الحماية كانت مكلفة ومكلفة
جدا بحيث لا تبقي له ما يقيم به أوده وأود عياله. ومن هنا صار بإمكان الخليفة عمر بن
الخطاب أن يعد صادقا ، كما ورد في كتاب (الأموال) لأبي عبيد .. " لئن سّلمني
ألله ليأتيَّن الراعي نصيبه من هذا المال لم يعرق جبينه " والراعي المقصود هنا هو
الراعي العربي المسلم من الأسياد في الجزيرة وليس بالطبع من علوج الشام والعراق
الذين كان عليهم أن يكدوا ويعرقوا ليوفروا الأموال لتعطى للراعي المسلم في الجزيرة
دون أن يعرق جبينه في اجتنائها .
وهكذا علينا أن ندرك من كل ما تقدم أن الإقتصاد الريعي ورغم كل المثل
الرفيعة التي بشر بها الإسلام والنوايا الطيبة التي عمرت قلوب الخلفاء الراشدين وبعض
الخلفاء الآخرين، هذا الإقتصاد الريعي لا يمكن له أن يكون التربة التي تنمو في أحشائها
بذرة القومية .
الاتجاهات التي اندفعت فيها الفتوحات العربية الإسلامية لا توحي بأدنى فكرة
عن رباط القومية. كانت الراية التي تقدمت جيوش الفتح هي راية الإسلام وقد اصطبغت
بالعدل والإخاء والمساواة. لكن الاتجاهات كانت تجارية بشكل صارخ. فما إن آلت
56
السلطة إلى معاوية بن أبي سفيان واستعاد الأمويون سلطانهم المالي والتجاري الغابر
حتى أُستبدلت المدينة مهبط الوحي والرسالة وعاصمة الخلافة الراشدة بدمشق مركز
التجارة العالمية والثروة. ومن دمشق عاصمة التجارة العالمية اتجهت الفتوحات غربا
وشرقا باتجاهي " طريق الحرير " التي كانت الخط الرئيسي والدولي للتجارة العالمية.
فمن دمشق اتجهت غربا إلى شرق المتوسط فمصر فشمال أفريقيا وصقلية ثم إلى جبل
طارق فالأندلس . ثم اتجهت شرقا إلى العراق فخراسان (شرق إيران) ثم أفغانستان
وشمال الهند ثم طشقند وبخارى وسمرقند حتى غرب الصين . التفسير الوحيد للغز
التاريخي المتمثل في عدم اجتياح العرب المسلمين للإمبراطورية البيزنطية التي طال
عمرها لخمسة قرون بعد أن دالت دولة العرب علما بأن امبراطورها كان أول من
هددته النهضة الإسلامية من خلال رسالة النبي المشهورة إليه والتي طلبت منه الدخول
في الإسلام وإلا فالحرب سترغمه على ذلك، التفسير العقلاني الوحيد لهذا اللغز هو أن
هذه الإمبراطورية لم تكن على "خط الحرير" بعد أن فقدت مستعمراتها لمصلحة الخلافة
وبقيت معزولة في غرب آسيا الصغرى وشرق شبه جزيرة البلقان بحيث لم تعد تهدد
خطوط التجارة طالما أنه لم يكن من تجارة تذكر عبر مضيقي الدردنيل والبسفور.
وغني عن القول أنه لو تم فتح تلك الإمبراطورية آنذاك لوفر على شعوب العرب في
شرق المتوسط عبودية أربعة قرون مظلمة كانت العامل الرئيس في تخلفها عن ركب
الحضارة الحديثة .
فيما عدا الرسالة الدينية لم تختلف الخلافة العربية عن الإمبراطوريات الأخرى
السابقة لها كالإغريقية والفارسية والهيلينية والرومانية والبيزنطية ولن يكون ما هو
أكثر فجاجة بالطبع من الحديث عن نهضة قومية رومانية مثلا. وكما يحدث دائما
للإمبراطوريات البطريركية الريعية فإن عوائد الدولة لا تعود تكفي لتغطية نفقاتها بعد
أن تتسع أطرافها ودائرة الحكم فيها. العجز في العوائد في أوج عظمة الخلافة العباسية
أخذ ينعكس في وهن العصبة الدينية، كما توصف، وتحللها الأمر الذي دفع بالأقوام
57
الكثيرة المنضوية في إسار هذه العصبة لأن تخرج منها وتعود لذاتها، لعصبة القوم
والقبيلة وتشكل بالتالي ممالكها الصغيرة حتى في عقر دار الخلافة، في سوريا ومصر
وأطراف الجزيرة. بدأ هذا الإنحلال في الوقت الذي كانت فيه أطراف الخلافة الشمالية
الشرقية، خراسان ، تتعرض لضغط تدفق هجرات سكانية هائلة من أقوام تركية كانت
تستوطن سهوب أواسط آسيا الشاسعة. استمر هذا الضغط لقرنين طويلين ، العاشر
والحادي عشر. مع أن الهجرات التركية الضخمة شكلت خطرا داهما على الجنس
العربي إلا أن الأقوام العربية التي تناثرت ممالكها الخاصة في الأطراف الغربية من
الخلافة لم تفعل شيئا على الإطلاق لصدها. تحرك الفرس ولم يتحرك العرب وحاربوا
باسم الخليفة طويلا لصد الأقوام التركية التي كانت قد أعلنت إسلامها بغرض التواؤم
والأقلمة في المنطقة. إزاء هذا الوضع المتردي لم يكن أمام الخليفة سوى أن يفرض
غرامات على هذه الأقوام يجبيها بشكل أعداد من العبيد ليحولهم بالإضافة إلى الأسرى
من أقوامهم إلى مجندين في جيوشه، يكرسون كل حياتهم للعسكرية. وهكذا بدأ الخليفة
يعتمد في قواته على الأتراك عوضا عن الفرس. في منتصف القرن الحادي عشر
اجتاح الأتراك السلاجقة إيران ثم بعد قليل بغداد 1055 م ثم سوريا وفلسطين 1080 م.
لقد جاء العرب بالإسلام لكنهم بعد أربعة قرون تركوه للأتراك والفرس. تركوه كرسالة
وعصبة لا ليلتحموا بعصبة القومية بل بعصبة القوم والقبيلة. لو أن الروح القومية التي
نستشعرها اليوم كانت قد سكنت النفس العربية آنذاك لما ُترك الخليفة العربي وحده
يصارع الأتراك لقرنين طويلين معتمدا على الإيرانيين فقط .
ألف عام حكم الأعاجم والأتراك خلالها العرب شر حكم. أربعة قرون باسم
المماليك وأربعة مثلها باسم العثمانيين فقد العرب خلالها كل شيء، الوطن واللغة والدين
والاقتصاد. لم يبق لهم من هذه العناصر الرئيسة المكونة للأمة وللقومية إلا ظلالها. فقد
العربي خلالها أدنى امتياز كانت توفره له السلطة المركزية التي أصبحت غريبة عنه
حتى ولو كانت إسلامية. إنها سلطة غاشمة تأخذ منه كل شيء ولا تعطيه أي شيء. ثم
58
بين الحين والآخر تأخذه هو وأولاده وقودا لحروبها التي لا تنتهي بقصد النهب. ولنا هنا
من قصص " سفر برلك " التي تقطر حزنا في الذاكرة الشعبية ، ومن "سنة سامي باشا
" الرهيبة خير مثال وعبرة. لقد فقد العرب خلال هذه الألفية المظلمة كل وسائل العيش
الثابتة ليعودوا أقواما صغيرة مشتتة تجوب البلاد طولا وعرضا تبحث عن وسائل
أخرى. الغالبية العظمى من أجدادنا عانوا من قلة الحيلة وعدم الاستقرار حتى أنهم لم
يكونوا يعرفون من الوطن إلا القرية التي يعيشون فيها، ومن العربية جملة مفيدة ومن
الدين إلا الشهادة بالرغم من أن الشرعية الوحيدة التي ادعاها الحكام لأنفسهم كانت
الشرعية الدينية. أما وسائل الإنتاج فقامت فقط على الفلاحة الصغيرة المتخلفة وعلى
الرعي. لقد حال الأتراك دون أن تكون هناك فلاحات كبيرة تكون مرتكزًا لقوى
اجتماعية ذات شأن. أما الفلاحات الصغيرة فإنها أعجز من أن تشكل شبكة من علاقات
الإنتاج القادرة على حمل مستوطنة بشرية صغيرة .
أمام جميع هذه الحقائق الثابتة التي لم تمّح تماما أثارها بعد من المجتمعات
العربية يغدو الحديث عن أمة عربية واحدة والتي هي الأساس الوحيد لدعوى القومية
العربية التي ينادي بها عامة القوميين حديثا، يغدو دعائيا ووهميا أكثر منه حقيقيا.
فالقومية هي عصبة الأمة وليست عصبة القوم كما يشي بذلك اسمها المشتق من كلمة "
قوم". بل إن عصبة القوم تنفي تماما عصبة القومية والعكس صحيح طالما أن الأمة
بمفهومها الحديث تتشكل من أقوام كثيرة مجهولة الجنس على الأغلب. والأمة لا تتشكل
إلا بتوافر شروط أربعة هي : الأرض ، اللغة ، الثقافة أو التكوين النفسي والاقتصاد .
لم يحدث أبدا وعلى امتداد كل التاريخ العربي أن توافرت هذه الشروط الأربعة مجتمعة
للشعوب العربية ولا حتى أهمها على الأقل وذلك لأن الدولة الريعية بطبيعتها لا
تستحضر أي شرط من هذه الشروط خاصة أهمها وهو الاقتصاد أي علاقات الإنتاج
القادرة على النماء . فالدولة الريعية تأخذ ولا تعطي أبدا ، تؤخر وسائل الإنتاج ولا
تطورها ، تقطع المستوطنات البشرية داخلها بعضها عن البعض الآخر فلا تقيم الواحدة
59
منها أية علاقات مع المستوطنات الأخرى بجوارها. هذه الوقائع التي لا مجال لإنكارها
لا تساعد أحدا في الإدعاء بأن أمة عربية كانت قد تشكلت في ظل تلك الشروط. جميع
الإمبراطوريات التي حكمت البلاد العربية منذ بداية التاريخ المكتوب وحتى نهاية الحكم
العثماني 1917 كانت إمبراطوريات ريعية. الأمة العربية ما زالت تشكيلا مجردا
وطموحا يداعب خيال بورجوازيات عرب المشرق على وجه الخصوص والشامية منها
على الأخص ولم يتحقق حتى الآن.
المعاجم العربية تتفق على أن " القومية " هي صلة اجتماعية عاطفية تنشأ من
الاشتراك في الوطن والجنس واللغة والمنافع وقد تنتهي بالتضامن والتعاون إلى الوحدة
كالقومية العربية . ثم تتفق المعاجم، وهذا هو الأهم، على أن مفردة " القومية " هي
مفردة محدثة. يلاحظ على المعنى المعجمي أنه اتجه مباشرة إلى عصبة الأمة مستبدلا
علاقات الإنتاج بما سماه " المنافع المتبادلة " ومتناسيا شرط التكوين النفسي الذي
يتمظهر في أحد جوانبه في العاطفة القومية ذاتها وفي جانب آخر في الدين وفي اللغة.
المهم أن المعجميين العرب وبتجرد تام من كل غرض غير لغوي وجدوا
أن مفردة " القومية " مفردة محدثة. أي أن هذه المفردة لم تكن موجودة ولم تكن
متداولة قبل التاريخ العربي الحديث. فهل يعقل أن تكون الروح القومية الجامعة قد
سكنت نفوس العرب في التاريخ القديم ومع ذلك عجز اللسان العربي عن التعبير عنها
حتى فقدنا مفردة " القومية " في كل آدابنا الكلاسيكية وهي متنوعة وكثيرة ؟ هذا
افتراض غير معقول إطلاقا خاصة وأن لغتنا العربية هي أكثر لغات العالم احتفاء
بالأسماء المعنوية دون المادية. لقد خلا تاريخ العرب القديم من الروح القومية الجامعة
تماما .
يغضب عامة القوميين العرب بشدة حين يواجهون بحقيقة حداثة نشوء القومية
العربية ظنا منهم أن ذلك من شأنه أن يعيب قوميتهم ويقلل من شأنها ومن قوة فعاليتها.
مثل هذا الظن الخاطىء هو من أفدح الأخطاء التي يقترفها القوميون إذ أن العكس هو
60
الصحيح. فحداثة النشوء والتكوين لا تعني إلا أن الروح القومية لم تتكون إلا بعد أن
قامت الضرورة لتكونها أو بعد أن وجد الأساس المادي لقيامها فهي بذلك ليست مجرد
شعور أو عاطفة قابلين للعبور. ولمّا لا يلجأ القوميون إلى استخدام الأدوات العلمية
للتنقيب عن الأساس المادي لظهور الروح القومية فإنهم يظلون على السطح يتفرجون
على الظاهرة دون أن يتعرفوا على علتها ويدركوا كنهها. وإذاك يغدو في غاية الصعوبة
تفنيد شهادة الشهود بلا قومية القوميين خاصة وأن شهادات أخرى بدت للوهلة الأولى
غريبة غرابة هذه الشهادة ثم لم تلبث طويلا حتى ثبتت مصداقيتها وظهر أن السواد
الأعظم من الشيوعيين وخاصة ممن هم في القمة ليسوا فقط غير شيوعيين بل أعداء
للشيوعية كذلك. ثم أن يكون القوميون غير قوميين حقيقة فذلك لا بد وأن يدفع بهم إلى
دروب الضلال تماما كما حدث مع الشيوعيين .
القومية هي عصبة الأمة وليست عصبة القوم. والأمة تتشكل من أقوام كثيرة
وليس من قوم واحدة. تنحل عصب الأقوام، لأسباب تاريخية وموضوعية ، لتتلاحم
في عصبة واحدة هي العصبة القومية. عصبة القوم التي كانت تقيم القوم قومة رجل
واحد زالت وحلت محلها عصبة القومية التي تقيم الأمة بجميع أقوامها المختلفة قومة
واحدة . مثل هذا التطور، الانتقال من عصبة القوم إلى عصبة القومية يترافق فقط مع
تشكل الأمة . ولا تتشكل الأمة إلا بعد أن تتهيأ شروط معينة لذلك . . أقوام عديدة
متجاورة في بيئة جغرافية واحدة تتطور شروط حياة القوم الواحدة لتتشابك مع وسائل
إنتاج القوم المجاورة وتتحد عضويا لتشكل شبكة واحدة غير قابلة للقسمة . تتحد شروط
الحياة فتتحد الأقوام في وحدة موازية واحدة وبذلك تتشكل الأمة. الشروط الأولى في
تاريخ البشرية التي كان من طبيعتها الإمتداد إلى خارج كيان القوم الضيق هي شروط
الإنتاج الرأسمالي. إن أول شرط من هذه الشروط هو اشتراك أنساق متوالية لا حصر
لها من العمال وغير العمال في إنتاج السلعة الرأسمالية؛ وهو الشرط الذي يتحقق فقط
عبر تفكيك العائلة وتحلل عصبة القوم ليستعاض عنها بعصبة أوسع هي عصبة الأمة،
61
العصبة الشاملة لجميع الأنساق المشاركة في إنتاج السلعة الرأسمالية. من هنا رأينا أن
تشكل الأمم الأوروبية كان فقط بعد انتشار نموذج الإنتاج الرأسمالي فيها. فالدوقيات
الألمانية مثلا والتي مثلت أقواما منفصلة بذاتها توحدت في القرن التاسع عشر فقط؛
والأمر نفسه بالنسبة للإمارات الإيطالية. بريطانيا لم تشكل أمة واحدة فيما قبل القرن
الثامن عشر حين كان الإنجليز والسلت والسكوتش يعيشون في مناطق منفصلة لا يربط
بينها شيء إلا الحرب . إن شرط الإنتاج الرأسمالي لتشكل الأمم يتجلى بوضوح تام في
الولايات المتحدة الأميركية إذ ليس بمستطاع أحد أن يتصور أمريكا بغير رأسماليتها
المزدهرة تجمع شتات الأمم وأجناس البشر كلها في أمة واحدة هي الأمة الأميركية.
وهكذا فإن القول بأن لا أمة بدون عمال هو قول صحيح تماما. أما ما نراه اليوم من
حركات انفصالية بحجة القومية والعرق أحيانا وبحجة اللغة والدين أحيانا أخرى أو حتى
بغير حجة كما هو حال شمال إيطاليا فما ذلك إلا بسبب اضمحلال نموذج الإنتاج
الرأسمالي وضمور الطبقات العاملة في جميع أنحاء العالم. اضمحل نموذج الإنتاج
الرأسمالي وكذلك نموذج الإنتاج الاشتراكي المشابه له في الشكل لينتشر بدلا عن ذلك
نموذج إنتاج الطبقة الوسطى في العالم كله وهو ما يشكل دليلا آخر على أن تشكل الأمة
مشروط بنموذج الإنتاج الرأسمالي .
عبثا يُجهد القوميون أنفسهم في ابتداع قانون خاص بقوميتهم العربية طالما أن
القومية العربية مثلها مثل سائر القوميات الأخرى لا يمكن ولا تستطيع أن تخرج عن
قانونها العام وهو شرط نموذج الإنتاج الرأسمالي بل إن القومية العربية كانت الأكثر
طواعية في الاستجابة لقانونها العام . فلألف عام ( 945 1916 ) خضعت الشعوب
العربية لحكم أقوام تركية شتى تعرضت خلالها لكل صنوف الظلم والطغيان والنهب
غير المنظم لثرواتها. في ظل التماثل الديني ما بين الحاكم والمحكوم، ما بين السيد
والعبد، امتدت العصور المظلمة في المشرق العربي حتى إلى ما بعد مطلع القرن
العشرين بخلاف مصر التي بعثت فيها الحملة النابوليونية روح التجديد كما روح
62
المقاومة. لألف عام وبالرغم من كل التمييز العنصري ضد العرب لدرجة التتريك لم
تدب الروح القومية في جسد العروبة إلا بعد أن أرسلت شمس الرأسمالية أشعتها الدافئة
إلى قلبها القادر على استقبال مثل هذه الأشعة وهو دمشق الشام التي كناها بحق كتاب
العرب وشعراؤهم فيما بعد ِ ب " قلب العروبة النابض "
عرفت دمشق الشام منذ فجر التاريخ بأنها مهد الحرف. فأهل الشام كانوا قد
برعوا بمختلف أنواع الحرف من صناعة الخيوط والنسيج إلى صناعة الزجاج والنحاس
والحديد كما بمختلف أصناف الحرف الخدمية. كان يجب أن تكون دمشق الشام مكان
ولادة الرأسمالية لولا أنها لم تمتلك سيادتها عبر التاريخ باستثناء نسبي زمن الأمويين.
لعصور غابرة وجدت منتوجات صناعة المانيفاكتورة في دمشق وحلب وبيروت سوقا
رائجة لها بين التجمعات الزراعية والرعوية التي تستطيع الوصول إلى هذه المراكز
الصناعية عبر وسائط النقل المتاحة آنذاك. وكان من الطبيعي أن تلعب وسائط النقل
البدائية دورا حاسما في تحديد المسافات التي تستطيع الوصول إليها منتوجات تلك
المراكز، وسائط النقل التي ليس من بينها العربات بسبب الطوبوغرافيا. كما أن القيم
المحدودة لتلك المنتوجات لعبت دورا آخر كذلك. التجمعات السكانية التي بادلت
منتوجاتها الزراعية والحيوانية بالسلع الشامية انتشرت في كل المشرق العربي باستثناء
السواحل الجنوبية والشرقية للجزيرة العربية وجنوب العراق. احتفظ السواحليون في تلك
المنطق بعلاقات تجارية قوية مع الهند وإيران بسبب إعتمادهم على وسائط النقل
البحرية. خطوط التجارة من حيث هي تبادل منافع ووحدة مصالح تشكل عصبا قويا يشد
التجمعات السكانية بعضها إلى البعض الآخر. أضف إلى ذلك أن السلعة كونها منتوج
حضارة بعينها هي أقوى عامل في نشر الحضارة الأم، إنها أقوى من جيوش الاحتلال
ومن السفراء ومن أية وسائط أخرى. السلعة هي الصنم الأبدي ذو الهالة، له ثقافة
وعلوم ودين ولغة خاصة به. وهو أكثر من ذلك يتدخل مباشرة في تعيين وسائل العيش
ووسائل الإنتاج. والقومية بداية هي الإنعكاس الكامل والمستمر لنور القدسية المركب
63
الذي يشعه الصنم السلعي في نفوس عبيده وعابديه وخاصة حين يمثل هذا الصنم قائمة
غير محدودة من السلع. من هنا كانت الشام، دمشق وحلب وبيروت، هي الرحم الذي
تخلقت فيه القومية العربية. وليس مصادفة أن يكون من أطلق أول صيحة قومية عربية
هو الشاعر اللبناني (المسيحي) إبراهيم اليازجي .. " ألا أفيقي أمة العرب ! " عام
1862 . ثم كان أول من لبى النداء هم زعماء دمشق وحلب وانضم إليهم بعد ذلك
زعماء القبائل والتجمعات السكانية التي ما كانت لتستغني عن السلع الشامية. وليس عبثا
أيضا أن اختار الزعماء السوريون شريف مكة، الحسين بن علي، قائدا لهم ليعلن أول
ثورة قومية عرفها العرب في يونيو 1916 ، ولأنها أول ثورة قومية سماها العرب "
الثورة العربية الكبرى " دون أن يكون هناك ثورة قومية أخرى .
من الأهمية بمكان أن نتعرف على الشروط الخاصة التي حكمت قيام الثورة
القومية الوحيدة في تاريخ العرب لنتعرف بعدئذ على طبيعة القومية العربية والثورة
القومية ثم لنعرف أسباب قيام الثورة وأسباب فشلها إذ أن من شأن كل هذا أن يؤثر
تأثيرا حاسما في طبيعة وتوجه الفكر السياسي المطلوب عربيا وأن يحرر السياسيين
العرب من كثير من الأوهام التي ما زالوا يجترونها بقوة الاستمرار والتي قد يكون
من شأنها إخراجهم من التاريخ . وتتمثل هذه الشروط في التالي :
أولا في القرنين السادس والسابع عشر لم تتأثر الصناعة الحرفية الشامية كثيرا
تحت الإحتلال التركي العثماني بل ربما تقدمت قليلا بفعل الاستقرار وغياب الحواجز.
أما خلال القرنين الثامن والتاسع عشر فقد انشغلت الامبراطورية العثمانية بحروب لا
تنتهي في أطرافها البعيدة وخاصة في شبه جزيرة البلقان وروسيا وهو ما رتب فرض
ضرائب جديدة على رعايا السلطنة وفرض التجنيد الإجباري على كل البالغين من
الرجال. النتيجة المباشرة بالطبع لكل هذا كانت تدهور حالة السكان حيث تراجع
إنتاجهم تراجعا خطيرا وتناقصت أعدادهم حتى وصل الأمر إلى هجرة الأراضي
الزراعية وزوال قرى بحالها من الوجود. في مثل هذه الشروط اضمحلت أسواق
64
المصنوعات الشامية وتراجع الطلب عليها. وهكذا وجد الحرفيون الشوام أنفسهم أمام
خيار أن تكون أو لا تكون ، إما الثورة وإما الفناء .
ثانيا قضى التاريخ أن تزول الدولة الريعية التي كانت الدولة العثمانية آخر
تجسيد لها. وخلال تفسخها الذي طال أكثر مما ينبغي كان من الطبيعي أن تنفذ إلى
داخلها كل مظاهر النظام الرأسمالي وأهمها السلعة الرأسمالية بالاضافة إلى أشكال
الإدارة والقوانين البورجوازية الرأسمالية. لقد فضل عامة الناس النظام الرأسمالي بكل
مظاهره لكن الحرفيين الشوام زادوا على ذلك أن صمموا على بناء مشروعهم
الرأسمالي الخاص بهم .
ثالثا طمح الأتراك كذلك إلى بناء مشروعهم الرأسمالي الخاص بهم من خلال
التخلص من نظام السلطنة بكل أشكاله وسياساته المهترئة. لذلك تشكلت منظمة قومية
طورانية باسم " حزب تركيا الفتاة " التي استطاعت عام 1908 تجريد السلطان عبد
الحميد من كل صلاحياته وسلطاته وتبنت حكومة " الباب العالي " الجديدة سياسة
قومية طورانية تتسم بالتعصب القومي المتطرف وخاصة ضد العرب.
رابعا النهضة القومية في بلاد الشام لم يكن لها جذور تاريخية بل جاءت على
الصعيدين الروحي والثقافي ردا على العصبية القومية الطورانية بخلاف مصر حيث
قامت فيها حركة وطنية في مجابهة الغزو الفرنسي والتي تجلت في انفصال ولاة
مصر، محمد علي وأبنائه، عن السلطنة العثمانية ثم في حركات المقاومة للاحتلال
الانجليزي والتي اكتسبت بداية طابع الإحياء الإسلامي. لم يكن بالامكان طبعا قيام أي
حركة بدعوى الإحياء الإسلامي في بلاد الشام طالما أن السلطان العثماني هو خليفة
المسلمين وهو صاحب القول الفصل في تفسير وتطبيق شريعة الإسلام في بلاد الشام.
خامسا البورجوازية الشامية والمش ّ كلة أساسا من عائلات الحرف كانت قد
وصلت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلى حالة من الضعف لم
تبلغها من قبل ، وعليه فقد كانت طاقتها الثورية محدودة للغاية.
65

No comments: