Sunday, April 8, 2007

قضايا معاصرة " فؤاد النمري "

في المسألة القومية
نهض العرب قبل أربعة عشر قرنا نهضة كبرى بعصبة الدين كما يعتقد الكثير من
المؤرخين العرب، وفي مطلع هذا القرن شرع العرب ينهضون بعصبة القومية فلم
ينهضوا، فهل يشير هذا إلى أن العصبة الدينية أقوى وأعظم تأثيرا من العصبة القومية ؟
مثل هذا السؤال المقارن يفتقد كثيرا من الشرعية وذلك لأن الحرب بحد ذاتها كانت في
العصور المظلمة وسيلة إنتاج غنية وفعالة أما اليوم فإنها وإن كانت وسيلة حماية لا
غنى عنها بل وحتى عاملا فاعلا في تطوير وسائل الإنتاج في جانب من الجوانب إلا
أنها في النهاية استنزاف حقيقي للإنتاج ولوسائله، ودول المواجهة للعدو الصهيوني خير
مثال على ذلك. لكن هذا النقص في الشرعية يجب ألا يحرف انتباهنا عن حقيقة أن
العرب كانوا قد استنزفوا كل نشاطاتهم الفكرية في الشؤون الدينية بكل تشعباتها
وتفرعاتها الكثيرة في حين أنهم لم يبذلوا جهدا فكريا يذكر في المسألة القومية بالرغم من
أنها احتلت أعلى الرايات في النهضة العربية الحديثة. لعلهم يتوهمون أن ثمة تعارضا
بين المسألتين غير أن الحقيقة ليست كذلك. ففسيفساء القوميات في طول العالم
وعرضه هي ذاتها فسيفساء الأديان ، أي أن لكل قومية دينها الخاص بها المختلف عن
دين القومية المجاورة ولو حتى باختلافات لا تلحظ. فالبروتستانتية اللوثرية في
ألمانيا تختلف عن البروتستانتية الأنجليكانية في بريطانيا والإسلام السني في
الباكستان يختلف عن الإسلام الشيعي في إيران، بل إن إسلام السعودية السّني الوهابي
يختلف عن إسلام اليمن السّني اليزيدي، وهذا وذاك يختلفان عن إسلام عُمان علما
بأن شعوب هذه البلدان الثلاثة هي من ذات القومية العربية. وهناك سبب آخر لهذا
القصور الفكري وهو خشية الباحث في موضوع العصبة القومية من الإنزلاق عن
المسار الدقيق لهذا البحث في منزلقات الشوفينية أو الكوزموبوليتية فيكون عرضة
للهجوم والنقد الجارح. لذلك وبكل الحذر المطلوب يجب أن نبحث في ماهية العصبة
50
القومية دون أن نلوم الذين يقدمون أنفسهم على أنهم قوميون طالما أنهم غير مؤهلين
لمثل هذا البحث بسبب عصبيتهم القومية أكثر مما هو بسبب فقر وسائل البحث لديهم
.
القومية في علم الكلام المجرد هي إسم الجمع لكل ما هو قومي. والقومي هو صفة
النسبة إلى القوم. والقوم إشتقاق من فعل قام يقوم بمعنى نهض ووقف وذلك يعني أن
القوم هم جماعة من الناس تقوم ناهضة معًا لفعل شيء معين. أي أن ثمة عصبة تشد
أفراد الجماعة إلى بعضهم ليقوموا قومة رجل واحد ولا يقعدوا إلا سويا. فهل عصبة
القوم هذه هي الأم الشرعية للقومية؟ إنها ليست كذلك بل انها معارضة ونافية للقومية
والأمثلة على ذلك كثيرة في حروب أقوام عربية من مثل بكر وتغلب وعبس
وذبيان والغساسنة واللخميين وحتى حروب المسلمين ضد كفار قريش حيث شكل
المسلمون تحالفا من عدة أقوام، وكمعركتي صفين والجمل بين الهاشميين والأمويين
بالرغم من أنهم من قوم واحدة وهي قريش. وما أكثر الأمثلة على ذلك في تاريخ العرب
الحديث .
عامة القوميين يعتبرون الفتوحات الإسلامية شمال الجزيرة العربية حروبا قومية.
يمكن مناقشة مثل هذا الرأي لو كان أهل سوريا والعراق من غير العرب أو أنهم من
العرب واستغاثوا بعرب الحجاز لتحريرهم من طغيان الفرس والروم. الأمر كان
على العكس من ذلك تماما حيث كان أول من جابه الجيوش الإسلامية المتجهة إلى
الشمال، سوريا والعراق، هم العرب من الغساسنة والمناذرة. كانت الإمبراطوريات
الكبرى تقيم ممالك أقوام بعينها على حدود إمبراطورياتها البعيدة لتدفع بالأعداء
بعيدا عن حدودها ولتضمن مصالح الامبراطورية في الأطراف النائية. أقام الفرس
مملكة للخميين وعاصمتها الحيرة، قرب الكوفة، وأقام البيزنطيون مملكة للغساسنة في
جنوب سوريا الكبرى وعاصمتها بصرى الشام. أول من قاوم جيوش المسلمين كان
الغساسنة واللخميين. مؤرخو السلطان زيفوا علينا دوافع الفتوحات الإسلامية فمنهم من
51
وصفها ببعث ديني ومنهم من وصفها ببعث قومي إلا أن الرسالة التالية تقول غير ما
يقولون قال قاضي القضاة أبو يوسف في كتابه " الخراج " ... " لما قدم على عمر
بن الخطاب .. مكتوب سعد بن أبي وقاص بشأن قسمة أرض السواد بالعراق على
الجند ، شاور عمر الصحابة فقال .. كيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض
بعلوجها قد قسِّمت ووُرّثت وحُيّزت .. ما هذا برأي فقال له عبدالرحمن بن عوف :
ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء ألله عليهم . فرد عمر عليه : فإذا قسمت أرض العراق
بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد به الثغور وما يكون للذرية ؟ " ص 26 و 27
مثل هذه الرسالة تعكس بكل وضوح طبيعة القوى الدافعة للفتوحات العربية الإسلامية.
فعمر بن الخطاب رأى في أن تظل الأراضي المفتوحة بعلوجها ملكا لبيت مال المسلمين
من أجل الإنفاق على الحروب ومعاش أهل الإسلام في المدينة تحديدًا؛ بينما رأى
عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص أن هذه الأراضي وما عليها من علوج إنما
هي رزق من عند إلله للجند الفاتحين وعليه يجب توزيعها على الفاتحين. النظام
الإجتماعي الذي تنزلت في أكنافه رسالة الإسلام كان نظام العبودية لذلك علينا ألا
نستغرب اعتبار أراضي العراق والشام وسكانها من العرب مجرد غنائم حرب للفاتحين
اقتسامها؛ فالدين أي دين ليس من وظائفه تجاوز النظام الاجتماعي القائم وهو ليس بقادر
على ذلك في جميع الأحوال طالما أن النظام الاجتماعي لا تعيّنه إلا وسائل الإنتاج
وأدواته. ومع ذلك ما كان يجب اعتبار عرب الشام والعراق مجرد علوج والعلج هو
الجلف من الرجال الذي لا خير فيه إلا قوة العمل أو العبد الذي لا يستحق أكثر من
العبودية مثل هذه النظرة الدونية، وهي وإن تغاير القيم الإسلامية لا فضل لعربي
على أعجمي إلا بالتقوى فإنها تخلو تماما من أية مشاعر قومية علما بأن العرب
المناذرة كانوا من ذوي الحضارة المتقدمة آنذاك حيث كانت عاصمتهم الحيرة مركزا
عالميا للثقافة والفنون والعلوم والترجمة لا مثيل له في كل الجزيرة بل إن العربية
وهي لغة القرآن كانت قد تخّلقت في عاصمتهم. اتفق الخليفة والصحابة وقادة الجند
52
على اقتسام غنائم الحروب وكانت كثيرة. فعبد الرحمن بن عوف الذي رأى في
المغلوبين، هم وأموالهم وأراضيهم وحيواناتهم، فيئا من ألله امتلك، كما كتب المسعودي،
إسطبلات حوت ماية حصان كما امتلك ألف جمل وعشرة الآف رأسا من الأغنام ولدى
وفاته بلغ ريع ممتلكاته 84 ألف دينارا سنويًا. أما الخليفة عثمان بن عفان فبلغت ثروته
عند اغتياله ماية ألف دينارا ذهبيا ومليون درهما فضيا بالإضافة إلى عقارات بقيمة مائة
ألف دينارا. وامتلك الزبير بن العوام بيوتا في الكوفة والبصرة والفسطاط (القاهرة)
والاسكندرية وألفا من العبيد والإماء وألف حصان وعقارات أخرى في جميع المدن
المذكورة، ولدى وفاته عُد النقد ملكه بخمسين ألف دينارا. وصحابي آخر هو طلحة بن
عبيدالله التيمية وصل دخله من إقطاعاته في العراق، كما كتب المسعودي، إلى ألف
دينارًا يوميا وأكثر من هذا المبلغ من إقطاعاته في الشراه. وثمة صحابي آخر بلغت
أمواله مليون دينارا ونصف المليون. هؤلاء الصحابة لم يمتلكوا قطميرا حين هاجروا
من مكة إلى المدينة ثم في سنوات قلائل راكموا هذه الثروات الهائلة حتى بمقاييس
عصرنا. هذا يؤكد لنا بوضوح تام أن حروب العصور الغابرة كانت وكما رآها ماركس
وسيلة إنتاج غنية .
الواحات القليلة والفقيرة في الحجاز لم تعد تقوم بأود سكانها لدى ظهور الإسلام
فكانوا يموتون جوعا كما في قصة أبناء أبي طالب رغم أن جدهم كان أمير السقاية
للحرم المكي، بل إنهم كانوا يضطرون إلى وأد بناتهم تجنبا لغائلة الجوع. ذلك التناقض
الملح بين فقر وسائل الإنتاج من جهة والتكاثر الطبيعي للسكان من جهة أخرى، خاصة
وأن الرجل منهم كان يتزوج عددًا غير محدود من النساء، لم يتوفر له حل سوى الحرب
وهي الوسيلة الجديدة التي وفرتها الرسالة الإسلامية الجديدة أيضا. إنها في النهاية
الهجرة السامية الأخيرة ولا تختلف عن الهجرات السابقة لها.
الزعم بأن الفتوحات الإسلامية إنما كانت نهضة قومية عربية فذلك تكذبه حقيقة
أن الأراضي بعلوجها التي أقتسمت وورِّثت وحيِّزت، بتعابير الخليفة عمر بن الخطاب،
53
لجند الفاتحين الجدد ولرجال الإدارة من ورائهم كإقطاعيات وعبيد إنما كانت أراضي
عربية وأقواما عربية لها ممالك مستقلة نسبيا في العراق والشام، والثروات التي
استعرض المسعودي عينة منها ليست إلا مما نهب هؤلاء الفاتحون من تلك الأقوام
العربية لم يتكلم الغساسنة العربية حيث أنهم كانوا قد هاجروا من جنوب الجزيرة إلى
الشمال قبل القرن الثالث للميلاد القرن الذي شهد ولادة اللغة العربية، ولم يدينوا بالاسلام
لكنهم كانوا عربا أقحاحا وأكثر أصالة من بعض الأقوام الإسلامية الغازية .
الجامعة القومية لم يكن لها أي أثر في معارك المسلمين أو في تشكيل جيوشهم .
كانت الجيوش تتشكل من سرايا بحيث تكون لكل قبيلة سرية أو أكثر ولا تحتوي هذه
السرية أي جند من القبائل الأخرى. وتدخل هذه السرايا المعركة على ذات النسق بحيث
تكون كل جهة أو ناحية من المعركة من مسؤولية قبيلة بعينها أو أكثر. حتى العصبة
الدينية لم تفعل فعلها على هذا الصعيد. فقد تشكلت الجيوش العربية الإسلامية على ذات
النسق الذي تشكلت وفقه القوافل التجارية قبل الإسلام.
العلاقات التي كان يقيمها العرب المسلمون الفاتحون مع شعوب البلدان المفتوحة
لم تنمّ عن أية عصبة تجمع ما بين الطرفين. فحين كانوا يدخلون مدينة من المدن
السورية أو العراقية أو المصرية فإنهم لا يختلطون بأهلها بل يقيمون في حاميات في
أطرافها. منها يحكمون ومنها يجمعون الجزية والخراج والأنقاز (الضرائب العينية) لهم
وللخليفة دون أن يتفاعلوا أيما تفاعل حتى مع من يدخلون الإسلام من أهل البلاد. لقد
بلغ خراج أرض السواد في العراق لسنة واحدة في عهد الخليفة عمر بن الحطاب ستة
وثلاثين مليون درهما بالإضافة إلى الأنقاز من التمر والتمن والفواكه المجففة والملابس
والأنعام. ولعل عمرو بن العاص يقدم لنا صورة أوضح .. فعندما لم يرض عثمان بن
عفان عن حجم خراج مصر إقترح على عمرو أن يتفرغ للحكم العسكري ليعين شخصا
آخر يجمع الضرائب. رفض عمرو بن العاص إقتراح الخليفة قائلا .. " يريدني أن
54
أمسك بقرني البقرة ليحلبها شخص آخر " . فهل ثمة فرصة إزاء هذه الصورة البليغة
للحديث عن عصبة قومية تجمع البقرة بالرجل أو الرجلين اللذين يقومان بحلبها ؟!!
جاءت العصبة الدينية الإسلامية لا لتكون أوسع وأشمل من عصبة القوم
والقبيلة بل لتحلها وتتخلص منها نهائيا. لذلك جاءت إحدى الآيات القرآنية
تقول .." .. إنا خلقناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند ألله أتقاكم " في هذا
المعنى رفض لهيكلة الحياة الإجتماعية في هيكل القبيلة والقوم، وفيه حض على
الإنصهار في بوتقة واحدة هي (الأمة) الإسلامية .. " وكنتم خير أمة أخرجت للناس "
. وفي آية أخرى .. " والشعراء يتبعهم الغاوون " ..لقد حذر الإسلام من الشعراء الذين
مثلوا منابر تمتدح قبائلها وتهجو القبائل الأخرى الأمر الذي كرس الحياة القبلية وحال
دون تعرف القبائل والشعوب على بعضها البعض كما طالبهم الإسلام بذلك. جهدت
الدعوة الإسلامية في حلحلة وثاق العصبة القبلية أو عصبة القوم إلا أن هذه العصبة
أثبتت على أنها لا تستبدل بعصبة العقيدة أو الدين ولا عجب في ذلك فعصبة القبيلة أو
القوم تتغذى في الأساس على علاقات الإنتاج القائمة في المجتمع البطريركي المعتمد
على الحياة الرعوية والزراعية البدائية في حين أن عصبة العقيدة أو الدين لا تعتمد إبدا
على أية أسس مادية. ظل شعراء العصر الأموي بالرغم مما طرأ على الحياة
العربية من تقدم حضاري، ظلوا شعراء أقوامهم. الخلافات الإسلامية جميعها بدءا
بالخلافة الراشدة وانتهاء بالخلافة العثمانية ظلت موضع نزاع قبلي. كما اعتمدت نظام
الدولة الريعية وهو ما يعني أن المركز الذي احتله على الدوام قوم بعينهم كان يتغذى
على حليب الأبقار الأمصار التي كانت تصل إليها يد الخلافة. كان المركز يحلب هذه
الأبقار الأمصار دون أن يوفر لها أية حشائش أو أعلاف تساعدها على در
الحليب. أي أن نظام الدولة الإقتصادي الذي كانت تعيّنه أدوات الإنتاج البدائية السائدة
آنذاك ما كان ليتجاوز الاقتصاد الريعي الذي لا يشكل إلا نصف حلقة غير قادرة على
الدوران أو طريقا باتجاه واحد الذاهب فيه لا يعود. مثل هذا النظام الريعي لا يساعد
55
إطلاقا على إقامة أي عصبة مهما كانت واهنة. لذلك رأينا تاريخ الدولة الإسلامية
يتمحور منذ البداية وحتى النهاية على صراع الأقوام .. الهاشميون ضد الأمويين ،
الأنصار من الأوس والخزرج ضد كّفار قريش ولم يقل كفار مكة ثم الأمويون
ضد الهاشميين ، العباسيون ضد الأمويين. لقد وصلت هذه الصراعات حد حروب
الإبادة والاستئصال في الإبادة والاستئصال يغيب بالطبع كل رباط .
كان بإمكان المصري أو السوري أو العراقي أن يشتري الدار الآخرة ببعض
ماله أو حتى بكل ماله غير أنه من المستحيل إقناعه بأن عليه أن يدفع سنويا للخليفة في
المدينة او دمشق أو بغداد أو القاهرة أو إسطنبول ثمن هذه الدار. كان يستطيع تلاوة
القرآن تلاوة صحيحة ويقوم بأركان دينه بنفسه دون مساعدة من الخليفة أو السلطة
المركزية. صحيح أن الخليفة كان يوفر له الحماية لكن تلك الحماية كانت مكلفة ومكلفة
جدا بحيث لا تبقي له ما يقيم به أوده وأود عياله. ومن هنا صار بإمكان الخليفة عمر بن
الخطاب أن يعد صادقا ، كما ورد في كتاب (الأموال) لأبي عبيد .. " لئن سّلمني
ألله ليأتيَّن الراعي نصيبه من هذا المال لم يعرق جبينه " والراعي المقصود هنا هو
الراعي العربي المسلم من الأسياد في الجزيرة وليس بالطبع من علوج الشام والعراق
الذين كان عليهم أن يكدوا ويعرقوا ليوفروا الأموال لتعطى للراعي المسلم في الجزيرة
دون أن يعرق جبينه في اجتنائها .
وهكذا علينا أن ندرك من كل ما تقدم أن الإقتصاد الريعي ورغم كل المثل
الرفيعة التي بشر بها الإسلام والنوايا الطيبة التي عمرت قلوب الخلفاء الراشدين وبعض
الخلفاء الآخرين، هذا الإقتصاد الريعي لا يمكن له أن يكون التربة التي تنمو في أحشائها
بذرة القومية .
الاتجاهات التي اندفعت فيها الفتوحات العربية الإسلامية لا توحي بأدنى فكرة
عن رباط القومية. كانت الراية التي تقدمت جيوش الفتح هي راية الإسلام وقد اصطبغت
بالعدل والإخاء والمساواة. لكن الاتجاهات كانت تجارية بشكل صارخ. فما إن آلت
56
السلطة إلى معاوية بن أبي سفيان واستعاد الأمويون سلطانهم المالي والتجاري الغابر
حتى أُستبدلت المدينة مهبط الوحي والرسالة وعاصمة الخلافة الراشدة بدمشق مركز
التجارة العالمية والثروة. ومن دمشق عاصمة التجارة العالمية اتجهت الفتوحات غربا
وشرقا باتجاهي " طريق الحرير " التي كانت الخط الرئيسي والدولي للتجارة العالمية.
فمن دمشق اتجهت غربا إلى شرق المتوسط فمصر فشمال أفريقيا وصقلية ثم إلى جبل
طارق فالأندلس . ثم اتجهت شرقا إلى العراق فخراسان (شرق إيران) ثم أفغانستان
وشمال الهند ثم طشقند وبخارى وسمرقند حتى غرب الصين . التفسير الوحيد للغز
التاريخي المتمثل في عدم اجتياح العرب المسلمين للإمبراطورية البيزنطية التي طال
عمرها لخمسة قرون بعد أن دالت دولة العرب علما بأن امبراطورها كان أول من
هددته النهضة الإسلامية من خلال رسالة النبي المشهورة إليه والتي طلبت منه الدخول
في الإسلام وإلا فالحرب سترغمه على ذلك، التفسير العقلاني الوحيد لهذا اللغز هو أن
هذه الإمبراطورية لم تكن على "خط الحرير" بعد أن فقدت مستعمراتها لمصلحة الخلافة
وبقيت معزولة في غرب آسيا الصغرى وشرق شبه جزيرة البلقان بحيث لم تعد تهدد
خطوط التجارة طالما أنه لم يكن من تجارة تذكر عبر مضيقي الدردنيل والبسفور.
وغني عن القول أنه لو تم فتح تلك الإمبراطورية آنذاك لوفر على شعوب العرب في
شرق المتوسط عبودية أربعة قرون مظلمة كانت العامل الرئيس في تخلفها عن ركب
الحضارة الحديثة .
فيما عدا الرسالة الدينية لم تختلف الخلافة العربية عن الإمبراطوريات الأخرى
السابقة لها كالإغريقية والفارسية والهيلينية والرومانية والبيزنطية ولن يكون ما هو
أكثر فجاجة بالطبع من الحديث عن نهضة قومية رومانية مثلا. وكما يحدث دائما
للإمبراطوريات البطريركية الريعية فإن عوائد الدولة لا تعود تكفي لتغطية نفقاتها بعد
أن تتسع أطرافها ودائرة الحكم فيها. العجز في العوائد في أوج عظمة الخلافة العباسية
أخذ ينعكس في وهن العصبة الدينية، كما توصف، وتحللها الأمر الذي دفع بالأقوام
57
الكثيرة المنضوية في إسار هذه العصبة لأن تخرج منها وتعود لذاتها، لعصبة القوم
والقبيلة وتشكل بالتالي ممالكها الصغيرة حتى في عقر دار الخلافة، في سوريا ومصر
وأطراف الجزيرة. بدأ هذا الإنحلال في الوقت الذي كانت فيه أطراف الخلافة الشمالية
الشرقية، خراسان ، تتعرض لضغط تدفق هجرات سكانية هائلة من أقوام تركية كانت
تستوطن سهوب أواسط آسيا الشاسعة. استمر هذا الضغط لقرنين طويلين ، العاشر
والحادي عشر. مع أن الهجرات التركية الضخمة شكلت خطرا داهما على الجنس
العربي إلا أن الأقوام العربية التي تناثرت ممالكها الخاصة في الأطراف الغربية من
الخلافة لم تفعل شيئا على الإطلاق لصدها. تحرك الفرس ولم يتحرك العرب وحاربوا
باسم الخليفة طويلا لصد الأقوام التركية التي كانت قد أعلنت إسلامها بغرض التواؤم
والأقلمة في المنطقة. إزاء هذا الوضع المتردي لم يكن أمام الخليفة سوى أن يفرض
غرامات على هذه الأقوام يجبيها بشكل أعداد من العبيد ليحولهم بالإضافة إلى الأسرى
من أقوامهم إلى مجندين في جيوشه، يكرسون كل حياتهم للعسكرية. وهكذا بدأ الخليفة
يعتمد في قواته على الأتراك عوضا عن الفرس. في منتصف القرن الحادي عشر
اجتاح الأتراك السلاجقة إيران ثم بعد قليل بغداد 1055 م ثم سوريا وفلسطين 1080 م.
لقد جاء العرب بالإسلام لكنهم بعد أربعة قرون تركوه للأتراك والفرس. تركوه كرسالة
وعصبة لا ليلتحموا بعصبة القومية بل بعصبة القوم والقبيلة. لو أن الروح القومية التي
نستشعرها اليوم كانت قد سكنت النفس العربية آنذاك لما ُترك الخليفة العربي وحده
يصارع الأتراك لقرنين طويلين معتمدا على الإيرانيين فقط .
ألف عام حكم الأعاجم والأتراك خلالها العرب شر حكم. أربعة قرون باسم
المماليك وأربعة مثلها باسم العثمانيين فقد العرب خلالها كل شيء، الوطن واللغة والدين
والاقتصاد. لم يبق لهم من هذه العناصر الرئيسة المكونة للأمة وللقومية إلا ظلالها. فقد
العربي خلالها أدنى امتياز كانت توفره له السلطة المركزية التي أصبحت غريبة عنه
حتى ولو كانت إسلامية. إنها سلطة غاشمة تأخذ منه كل شيء ولا تعطيه أي شيء. ثم
58
بين الحين والآخر تأخذه هو وأولاده وقودا لحروبها التي لا تنتهي بقصد النهب. ولنا هنا
من قصص " سفر برلك " التي تقطر حزنا في الذاكرة الشعبية ، ومن "سنة سامي باشا
" الرهيبة خير مثال وعبرة. لقد فقد العرب خلال هذه الألفية المظلمة كل وسائل العيش
الثابتة ليعودوا أقواما صغيرة مشتتة تجوب البلاد طولا وعرضا تبحث عن وسائل
أخرى. الغالبية العظمى من أجدادنا عانوا من قلة الحيلة وعدم الاستقرار حتى أنهم لم
يكونوا يعرفون من الوطن إلا القرية التي يعيشون فيها، ومن العربية جملة مفيدة ومن
الدين إلا الشهادة بالرغم من أن الشرعية الوحيدة التي ادعاها الحكام لأنفسهم كانت
الشرعية الدينية. أما وسائل الإنتاج فقامت فقط على الفلاحة الصغيرة المتخلفة وعلى
الرعي. لقد حال الأتراك دون أن تكون هناك فلاحات كبيرة تكون مرتكزًا لقوى
اجتماعية ذات شأن. أما الفلاحات الصغيرة فإنها أعجز من أن تشكل شبكة من علاقات
الإنتاج القادرة على حمل مستوطنة بشرية صغيرة .
أمام جميع هذه الحقائق الثابتة التي لم تمّح تماما أثارها بعد من المجتمعات
العربية يغدو الحديث عن أمة عربية واحدة والتي هي الأساس الوحيد لدعوى القومية
العربية التي ينادي بها عامة القوميين حديثا، يغدو دعائيا ووهميا أكثر منه حقيقيا.
فالقومية هي عصبة الأمة وليست عصبة القوم كما يشي بذلك اسمها المشتق من كلمة "
قوم". بل إن عصبة القوم تنفي تماما عصبة القومية والعكس صحيح طالما أن الأمة
بمفهومها الحديث تتشكل من أقوام كثيرة مجهولة الجنس على الأغلب. والأمة لا تتشكل
إلا بتوافر شروط أربعة هي : الأرض ، اللغة ، الثقافة أو التكوين النفسي والاقتصاد .
لم يحدث أبدا وعلى امتداد كل التاريخ العربي أن توافرت هذه الشروط الأربعة مجتمعة
للشعوب العربية ولا حتى أهمها على الأقل وذلك لأن الدولة الريعية بطبيعتها لا
تستحضر أي شرط من هذه الشروط خاصة أهمها وهو الاقتصاد أي علاقات الإنتاج
القادرة على النماء . فالدولة الريعية تأخذ ولا تعطي أبدا ، تؤخر وسائل الإنتاج ولا
تطورها ، تقطع المستوطنات البشرية داخلها بعضها عن البعض الآخر فلا تقيم الواحدة
59
منها أية علاقات مع المستوطنات الأخرى بجوارها. هذه الوقائع التي لا مجال لإنكارها
لا تساعد أحدا في الإدعاء بأن أمة عربية كانت قد تشكلت في ظل تلك الشروط. جميع
الإمبراطوريات التي حكمت البلاد العربية منذ بداية التاريخ المكتوب وحتى نهاية الحكم
العثماني 1917 كانت إمبراطوريات ريعية. الأمة العربية ما زالت تشكيلا مجردا
وطموحا يداعب خيال بورجوازيات عرب المشرق على وجه الخصوص والشامية منها
على الأخص ولم يتحقق حتى الآن.
المعاجم العربية تتفق على أن " القومية " هي صلة اجتماعية عاطفية تنشأ من
الاشتراك في الوطن والجنس واللغة والمنافع وقد تنتهي بالتضامن والتعاون إلى الوحدة
كالقومية العربية . ثم تتفق المعاجم، وهذا هو الأهم، على أن مفردة " القومية " هي
مفردة محدثة. يلاحظ على المعنى المعجمي أنه اتجه مباشرة إلى عصبة الأمة مستبدلا
علاقات الإنتاج بما سماه " المنافع المتبادلة " ومتناسيا شرط التكوين النفسي الذي
يتمظهر في أحد جوانبه في العاطفة القومية ذاتها وفي جانب آخر في الدين وفي اللغة.
المهم أن المعجميين العرب وبتجرد تام من كل غرض غير لغوي وجدوا
أن مفردة " القومية " مفردة محدثة. أي أن هذه المفردة لم تكن موجودة ولم تكن
متداولة قبل التاريخ العربي الحديث. فهل يعقل أن تكون الروح القومية الجامعة قد
سكنت نفوس العرب في التاريخ القديم ومع ذلك عجز اللسان العربي عن التعبير عنها
حتى فقدنا مفردة " القومية " في كل آدابنا الكلاسيكية وهي متنوعة وكثيرة ؟ هذا
افتراض غير معقول إطلاقا خاصة وأن لغتنا العربية هي أكثر لغات العالم احتفاء
بالأسماء المعنوية دون المادية. لقد خلا تاريخ العرب القديم من الروح القومية الجامعة
تماما .
يغضب عامة القوميين العرب بشدة حين يواجهون بحقيقة حداثة نشوء القومية
العربية ظنا منهم أن ذلك من شأنه أن يعيب قوميتهم ويقلل من شأنها ومن قوة فعاليتها.
مثل هذا الظن الخاطىء هو من أفدح الأخطاء التي يقترفها القوميون إذ أن العكس هو
60
الصحيح. فحداثة النشوء والتكوين لا تعني إلا أن الروح القومية لم تتكون إلا بعد أن
قامت الضرورة لتكونها أو بعد أن وجد الأساس المادي لقيامها فهي بذلك ليست مجرد
شعور أو عاطفة قابلين للعبور. ولمّا لا يلجأ القوميون إلى استخدام الأدوات العلمية
للتنقيب عن الأساس المادي لظهور الروح القومية فإنهم يظلون على السطح يتفرجون
على الظاهرة دون أن يتعرفوا على علتها ويدركوا كنهها. وإذاك يغدو في غاية الصعوبة
تفنيد شهادة الشهود بلا قومية القوميين خاصة وأن شهادات أخرى بدت للوهلة الأولى
غريبة غرابة هذه الشهادة ثم لم تلبث طويلا حتى ثبتت مصداقيتها وظهر أن السواد
الأعظم من الشيوعيين وخاصة ممن هم في القمة ليسوا فقط غير شيوعيين بل أعداء
للشيوعية كذلك. ثم أن يكون القوميون غير قوميين حقيقة فذلك لا بد وأن يدفع بهم إلى
دروب الضلال تماما كما حدث مع الشيوعيين .
القومية هي عصبة الأمة وليست عصبة القوم. والأمة تتشكل من أقوام كثيرة
وليس من قوم واحدة. تنحل عصب الأقوام، لأسباب تاريخية وموضوعية ، لتتلاحم
في عصبة واحدة هي العصبة القومية. عصبة القوم التي كانت تقيم القوم قومة رجل
واحد زالت وحلت محلها عصبة القومية التي تقيم الأمة بجميع أقوامها المختلفة قومة
واحدة . مثل هذا التطور، الانتقال من عصبة القوم إلى عصبة القومية يترافق فقط مع
تشكل الأمة . ولا تتشكل الأمة إلا بعد أن تتهيأ شروط معينة لذلك . . أقوام عديدة
متجاورة في بيئة جغرافية واحدة تتطور شروط حياة القوم الواحدة لتتشابك مع وسائل
إنتاج القوم المجاورة وتتحد عضويا لتشكل شبكة واحدة غير قابلة للقسمة . تتحد شروط
الحياة فتتحد الأقوام في وحدة موازية واحدة وبذلك تتشكل الأمة. الشروط الأولى في
تاريخ البشرية التي كان من طبيعتها الإمتداد إلى خارج كيان القوم الضيق هي شروط
الإنتاج الرأسمالي. إن أول شرط من هذه الشروط هو اشتراك أنساق متوالية لا حصر
لها من العمال وغير العمال في إنتاج السلعة الرأسمالية؛ وهو الشرط الذي يتحقق فقط
عبر تفكيك العائلة وتحلل عصبة القوم ليستعاض عنها بعصبة أوسع هي عصبة الأمة،
61
العصبة الشاملة لجميع الأنساق المشاركة في إنتاج السلعة الرأسمالية. من هنا رأينا أن
تشكل الأمم الأوروبية كان فقط بعد انتشار نموذج الإنتاج الرأسمالي فيها. فالدوقيات
الألمانية مثلا والتي مثلت أقواما منفصلة بذاتها توحدت في القرن التاسع عشر فقط؛
والأمر نفسه بالنسبة للإمارات الإيطالية. بريطانيا لم تشكل أمة واحدة فيما قبل القرن
الثامن عشر حين كان الإنجليز والسلت والسكوتش يعيشون في مناطق منفصلة لا يربط
بينها شيء إلا الحرب . إن شرط الإنتاج الرأسمالي لتشكل الأمم يتجلى بوضوح تام في
الولايات المتحدة الأميركية إذ ليس بمستطاع أحد أن يتصور أمريكا بغير رأسماليتها
المزدهرة تجمع شتات الأمم وأجناس البشر كلها في أمة واحدة هي الأمة الأميركية.
وهكذا فإن القول بأن لا أمة بدون عمال هو قول صحيح تماما. أما ما نراه اليوم من
حركات انفصالية بحجة القومية والعرق أحيانا وبحجة اللغة والدين أحيانا أخرى أو حتى
بغير حجة كما هو حال شمال إيطاليا فما ذلك إلا بسبب اضمحلال نموذج الإنتاج
الرأسمالي وضمور الطبقات العاملة في جميع أنحاء العالم. اضمحل نموذج الإنتاج
الرأسمالي وكذلك نموذج الإنتاج الاشتراكي المشابه له في الشكل لينتشر بدلا عن ذلك
نموذج إنتاج الطبقة الوسطى في العالم كله وهو ما يشكل دليلا آخر على أن تشكل الأمة
مشروط بنموذج الإنتاج الرأسمالي .
عبثا يُجهد القوميون أنفسهم في ابتداع قانون خاص بقوميتهم العربية طالما أن
القومية العربية مثلها مثل سائر القوميات الأخرى لا يمكن ولا تستطيع أن تخرج عن
قانونها العام وهو شرط نموذج الإنتاج الرأسمالي بل إن القومية العربية كانت الأكثر
طواعية في الاستجابة لقانونها العام . فلألف عام ( 945 1916 ) خضعت الشعوب
العربية لحكم أقوام تركية شتى تعرضت خلالها لكل صنوف الظلم والطغيان والنهب
غير المنظم لثرواتها. في ظل التماثل الديني ما بين الحاكم والمحكوم، ما بين السيد
والعبد، امتدت العصور المظلمة في المشرق العربي حتى إلى ما بعد مطلع القرن
العشرين بخلاف مصر التي بعثت فيها الحملة النابوليونية روح التجديد كما روح
62
المقاومة. لألف عام وبالرغم من كل التمييز العنصري ضد العرب لدرجة التتريك لم
تدب الروح القومية في جسد العروبة إلا بعد أن أرسلت شمس الرأسمالية أشعتها الدافئة
إلى قلبها القادر على استقبال مثل هذه الأشعة وهو دمشق الشام التي كناها بحق كتاب
العرب وشعراؤهم فيما بعد ِ ب " قلب العروبة النابض "
عرفت دمشق الشام منذ فجر التاريخ بأنها مهد الحرف. فأهل الشام كانوا قد
برعوا بمختلف أنواع الحرف من صناعة الخيوط والنسيج إلى صناعة الزجاج والنحاس
والحديد كما بمختلف أصناف الحرف الخدمية. كان يجب أن تكون دمشق الشام مكان
ولادة الرأسمالية لولا أنها لم تمتلك سيادتها عبر التاريخ باستثناء نسبي زمن الأمويين.
لعصور غابرة وجدت منتوجات صناعة المانيفاكتورة في دمشق وحلب وبيروت سوقا
رائجة لها بين التجمعات الزراعية والرعوية التي تستطيع الوصول إلى هذه المراكز
الصناعية عبر وسائط النقل المتاحة آنذاك. وكان من الطبيعي أن تلعب وسائط النقل
البدائية دورا حاسما في تحديد المسافات التي تستطيع الوصول إليها منتوجات تلك
المراكز، وسائط النقل التي ليس من بينها العربات بسبب الطوبوغرافيا. كما أن القيم
المحدودة لتلك المنتوجات لعبت دورا آخر كذلك. التجمعات السكانية التي بادلت
منتوجاتها الزراعية والحيوانية بالسلع الشامية انتشرت في كل المشرق العربي باستثناء
السواحل الجنوبية والشرقية للجزيرة العربية وجنوب العراق. احتفظ السواحليون في تلك
المنطق بعلاقات تجارية قوية مع الهند وإيران بسبب إعتمادهم على وسائط النقل
البحرية. خطوط التجارة من حيث هي تبادل منافع ووحدة مصالح تشكل عصبا قويا يشد
التجمعات السكانية بعضها إلى البعض الآخر. أضف إلى ذلك أن السلعة كونها منتوج
حضارة بعينها هي أقوى عامل في نشر الحضارة الأم، إنها أقوى من جيوش الاحتلال
ومن السفراء ومن أية وسائط أخرى. السلعة هي الصنم الأبدي ذو الهالة، له ثقافة
وعلوم ودين ولغة خاصة به. وهو أكثر من ذلك يتدخل مباشرة في تعيين وسائل العيش
ووسائل الإنتاج. والقومية بداية هي الإنعكاس الكامل والمستمر لنور القدسية المركب
63
الذي يشعه الصنم السلعي في نفوس عبيده وعابديه وخاصة حين يمثل هذا الصنم قائمة
غير محدودة من السلع. من هنا كانت الشام، دمشق وحلب وبيروت، هي الرحم الذي
تخلقت فيه القومية العربية. وليس مصادفة أن يكون من أطلق أول صيحة قومية عربية
هو الشاعر اللبناني (المسيحي) إبراهيم اليازجي .. " ألا أفيقي أمة العرب ! " عام
1862 . ثم كان أول من لبى النداء هم زعماء دمشق وحلب وانضم إليهم بعد ذلك
زعماء القبائل والتجمعات السكانية التي ما كانت لتستغني عن السلع الشامية. وليس عبثا
أيضا أن اختار الزعماء السوريون شريف مكة، الحسين بن علي، قائدا لهم ليعلن أول
ثورة قومية عرفها العرب في يونيو 1916 ، ولأنها أول ثورة قومية سماها العرب "
الثورة العربية الكبرى " دون أن يكون هناك ثورة قومية أخرى .
من الأهمية بمكان أن نتعرف على الشروط الخاصة التي حكمت قيام الثورة
القومية الوحيدة في تاريخ العرب لنتعرف بعدئذ على طبيعة القومية العربية والثورة
القومية ثم لنعرف أسباب قيام الثورة وأسباب فشلها إذ أن من شأن كل هذا أن يؤثر
تأثيرا حاسما في طبيعة وتوجه الفكر السياسي المطلوب عربيا وأن يحرر السياسيين
العرب من كثير من الأوهام التي ما زالوا يجترونها بقوة الاستمرار والتي قد يكون
من شأنها إخراجهم من التاريخ . وتتمثل هذه الشروط في التالي :
أولا في القرنين السادس والسابع عشر لم تتأثر الصناعة الحرفية الشامية كثيرا
تحت الإحتلال التركي العثماني بل ربما تقدمت قليلا بفعل الاستقرار وغياب الحواجز.
أما خلال القرنين الثامن والتاسع عشر فقد انشغلت الامبراطورية العثمانية بحروب لا
تنتهي في أطرافها البعيدة وخاصة في شبه جزيرة البلقان وروسيا وهو ما رتب فرض
ضرائب جديدة على رعايا السلطنة وفرض التجنيد الإجباري على كل البالغين من
الرجال. النتيجة المباشرة بالطبع لكل هذا كانت تدهور حالة السكان حيث تراجع
إنتاجهم تراجعا خطيرا وتناقصت أعدادهم حتى وصل الأمر إلى هجرة الأراضي
الزراعية وزوال قرى بحالها من الوجود. في مثل هذه الشروط اضمحلت أسواق
64
المصنوعات الشامية وتراجع الطلب عليها. وهكذا وجد الحرفيون الشوام أنفسهم أمام
خيار أن تكون أو لا تكون ، إما الثورة وإما الفناء .
ثانيا قضى التاريخ أن تزول الدولة الريعية التي كانت الدولة العثمانية آخر
تجسيد لها. وخلال تفسخها الذي طال أكثر مما ينبغي كان من الطبيعي أن تنفذ إلى
داخلها كل مظاهر النظام الرأسمالي وأهمها السلعة الرأسمالية بالاضافة إلى أشكال
الإدارة والقوانين البورجوازية الرأسمالية. لقد فضل عامة الناس النظام الرأسمالي بكل
مظاهره لكن الحرفيين الشوام زادوا على ذلك أن صمموا على بناء مشروعهم
الرأسمالي الخاص بهم .
ثالثا طمح الأتراك كذلك إلى بناء مشروعهم الرأسمالي الخاص بهم من خلال
التخلص من نظام السلطنة بكل أشكاله وسياساته المهترئة. لذلك تشكلت منظمة قومية
طورانية باسم " حزب تركيا الفتاة " التي استطاعت عام 1908 تجريد السلطان عبد
الحميد من كل صلاحياته وسلطاته وتبنت حكومة " الباب العالي " الجديدة سياسة
قومية طورانية تتسم بالتعصب القومي المتطرف وخاصة ضد العرب.
رابعا النهضة القومية في بلاد الشام لم يكن لها جذور تاريخية بل جاءت على
الصعيدين الروحي والثقافي ردا على العصبية القومية الطورانية بخلاف مصر حيث
قامت فيها حركة وطنية في مجابهة الغزو الفرنسي والتي تجلت في انفصال ولاة
مصر، محمد علي وأبنائه، عن السلطنة العثمانية ثم في حركات المقاومة للاحتلال
الانجليزي والتي اكتسبت بداية طابع الإحياء الإسلامي. لم يكن بالامكان طبعا قيام أي
حركة بدعوى الإحياء الإسلامي في بلاد الشام طالما أن السلطان العثماني هو خليفة
المسلمين وهو صاحب القول الفصل في تفسير وتطبيق شريعة الإسلام في بلاد الشام.
خامسا البورجوازية الشامية والمش ّ كلة أساسا من عائلات الحرف كانت قد
وصلت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلى حالة من الضعف لم
تبلغها من قبل ، وعليه فقد كانت طاقتها الثورية محدودة للغاية.
65

قضايا معاصرة" فؤاد النمري "

حقيقة قضية المرأة
ما أكثر الندوات التي تبحث في قضية المرأة لكنها جميعًا ودون إستثناء محشوة
بلغو الكلام وقشوره الخارجية التي لا تقترب من لب الموضوع والكشف عن جوهر
القضية موضوع البحث ولا عن أ ٍ ي من الوسائل العلمية لمعالجتها. لقد باتت خطاباتنا
حبيسة كليشيهات قديمة بالية وغريبة كليًّا عن عالم اليوم، عالمنا الجديد الذي قام على
أنقاض عوالم ما قبل الربع الأخير للقرن العشرين. أغرب ما في الأمر هو أن متثاقفينا
سرعان ما يلوون إلى الحديث عن العولمة وعن النظام الدولي الجديد ويطنبون فيه دون
أن يمسكوا بذات الوقت عن الدعوة إلى التحرر الوطني والهجوم على الإمبريالية !!
أليس من طبائع الأمور أن تنتفي مفاهيم الإمبريالية والتحرر الوطني من كل تفاصيل
وبنى العولمة والنظام الدولي الجديد؟ ثم كيف يكون نظامًا دوليًّا جديدًا دون أن يتلاشى
النظام الدولي القديم وبعوالمه الثلاث؟! على مفكرينا أن يعوا خطورة ما يقومون به من
تضليل لشعوبنا في قضاياها الكبرى إذ خير لها أن تبقى على جهلها من أن يضللها
متثاقفوها بمعارفهم الفاسدة والموهومة.
قضية المرأة تختلف عن سائر القضايا العامة الأخرى. إنها قضية إنسانية تهم كل
بني البشر من ذكر وأنثى ومن مختلف الطبقات، ثم إن المرأة وهي نصف البشرية،
وبغض النظر عن أية انتماءات أخرى لها، ترزح تحت وطأة نير مثقل بالعبودية فهي
لذلك تجد نفسها متحفزة لتحطيم هذا النير مرة واحدة وإلى الأبد. ومع ذلك فأغرب ما
يفاجىء المرء هو جهل هذه المرأة الثورية بحقيقة قضيتها. وحتى النساء اللائى يتقدمن
بقوة وثبات للدفاع عن المرأة و(حقوقها) لا يجدن ما يقلنه سوى بعض الحجج القديمة
الجوفاء التي تؤكد الجور على المرأة وتجاهل خصوصياتها. فكثيرًا ما تنادي
هؤلاء النسوة ِ ب ( المساواة بين الرجل والمرأة) أو ِ ب (الحقوق المتساوية بين الرجل
والمرأة) ثم غالبًا ما يخلصن إلى الزعم ب (الكفاءة المتساوية بين الرجل والمرأة) .
37
من اليسير تفسير عجز المثقفين في معالجة قضايا الوطن والأمة حيث أن هذه
القضايا غيرت من طبيعتها بين عشية وضحاها فلم يلحظ المثقفون مثل هذا التغيّر
المفاجئ ولم يدركوا كنهه وأغواره بعد فذهبوا في تفسير ما تعثروا به من مستجدات
مذاهب شّتى وباتوا على الأعم يلوكون ذات الخطابات القديمة. أما أن تجهل المرأة
قضيتها، قضية جنسها، وقد تجاوز عمرها الستة آلاف عام، إذ أنها بدأت مع بداية
التاريخ، فذلك أدعى للحيرة والارتباك. لِماذا لم تستشعر المرأة بحسها الجنسوي المرهف
مصدر البلاء الذي حلّ بها وأسبابه طيلة كل عصور التاريخ المختلفة، بلاء الضعة
والدونية غير الإنسانيتين واللتين تتعاكسان مع ما حبتها به الطبيعة إذ جعلتها مصدر
الحياة وسبب استمرارها ؟! لماذا لم تستشعر الأنثى هذا الخطر الذي أودى بكل جمالها
وبكل إنسانيتها وجعل منها مجرد متاع رخيص العرض؟! أيعقل أن تواصل المرأة
البحث عن مصدر بلائها وبلواها لستة آلاف عام فلا تجده ؟!
مجرد البحث عن إجابة مقنعة لمثل هذا التساؤل الاستهجاني من شأنه أن يساعد
في فك هذا الطلسم التاريخي الذي ما زالت المرأة تهرب من مواجهته مواجهة صادقة
وشجاعة. يتملكها رعب لا مثيل له قبل أن تهمّ بمواجهته فتهرب إلى ظل الرجل تستأنس
بجبروته ليعلن هذا الأخير سيادته عليها بل وامتلاكه لها واستعبادها. علينا أن نعود إلى
التاريخ ونستقرأَه منذ البداية لنتبيّن كيف ومتى حاقت كارثة الدونيّة بالمرأة. لكن كيف
ومتى بدأ التاريخ ؟.. ثمة إجابة واحدة وحيدة تقوى على أية محاكمة للعقل والمنطق
لمثل هذا السؤال المفصلي. لقد بدأ تاريخ الإنسان مع بداية أول وعي بدائي للإنسان
يترجم نفسه على أرض الواقع. الفأس الحجرية تمثل أبعد ترجمة موغلة في القدم لهذا
الوعي البدائي. وهذا يعني تحديدًا أن التاريخ الإنساني بدأ حين بدأ الإنسان ينتج ويعيد
إنتاج حياته إعتمادًا على إنتاج الغذاء أو ً لا ثم المأوى فالكساء من بعد. ما قبل ذلك وحين
لم يكن الإنسان ينتج غذاءه كان إنتاج الحياة أو استمرار بقاء الإنسان ينحصر في
ثم في النمو بالتغذية على التقاط الحبوب (Propagation) التناسل والإنجاب أساسا
38
والثمار ويضاف إلى ذلك أحيانًا بعض اللحم بطريقة الافتراس. هذا النمط من الحياة
الذي استغرق الإنسان ملايين السنين خلا من كل إنتاج ولذلك ولغياب كل علاقات
الإنتاج كانت تلك المجتمعات البدائية تقوم كليًّا على العلاقات الجنسية. وحقًا لاحظ
فريدريك إنجلز أنه " بمقدار ما تكون العملية الإنتاجية محدودة يميل المجتمع
إلى الخضوع إلى العلاقات الجنسية ".
في المجتمعات البشرية البدائية حيث اعتمد فيها إنتاج وإعادة إنتاج الحياة على
واقتصرت طرائق معيشتها (Production) دون الإنتاج (Propagation) التناسل فقط
على الإلتقاط والافتراس فإن أية حقوق للرجل لا يمكن أن تكون قد تأسست. فلم تكن
هناك وظائف معلومة له حتى دوره في الإنجاب لم يكن معلومًا. بناءً على مثل هذه
( Mother Right ) الصورة التي يؤكدها علماء ما قبل التاريخ قام "حق الأم" المطلق
وامتلكت الأم سائر أبنائها وبناتها طالما أن آباءهم مجهولون، خاصة وأن قدرات الإنسان
الغريزية ليست بقدرات بعض الحيوانات المؤهلة للتعرف على صغارها بدلالات أخرى
غير الملامح، ولعل ذلك يعود إلى تميّز الإنسان بقدرة الوعي. في مجتمعات كهذه ظل
الرجال بلا حقوق إطلاقًا، ظلوا نكرات وبلا أسماء، أشبه ما يكونون بذكور خلية
النحل. كانت العائلة تعود للأم التي تعاشر من ترغب من سائر الذكور حولها. هذا
الشكل من العائلة ربما عمّر لملايين السنين أُعتبرت الأم خلالها أصل الحياة وخالقها
فكانت الآلهة الأولى للإنسان أُنثى مثل عشتار إلهة الكنعانيين وعشتروت إلهة الفينيقيين،
إلهة تتميز بغريزتها الجنسية القوية. لم تتطور المجتمعات التي عصبها " حق الأم " إلى
مجتمعات عصبها " حق الأب " إ ّ لا قبل سبعة آلاف عام. بل إن يوليوس قيصر كان قد
في شمال إنكلترا وجنوب (Britons) تحدث قبل ألفي عام عن قدماء البريطانيين
اسكتلندا يعيشون في مجموعات تتكون كل منها من عشرة أفراد أو أكثر تحلل المعاشرة
الجنسية بين سائر أفراد المجموعة. وفي مجتمعات أٌخرى كالمجتمع الفرعوني أٌختصر
حق جميع الرجال في كل بنت من بنات المجتمع في دخول فرعون بها قبل دخول
39
زوجها. وهكذا يجب علينا أ ّ لا نندهش ونحن نقرأ في التوراة أن إبراهيم أبا الأنبياء كان
قد تزوّج من أخته غير الشقيقة سارة وأنه في مصر وقد أٌعجب فرعون بجمالها أرسلها
للقصر خدينًا لفرعون لأشهر عديدة. كما أن الفراعنة وخاصة الملوك منهم كانوا قد
درجوا على الزواج من أخواتهم وتذكر هنا الملكة حتشبسوت 1472 ق م وقد تزوجت
من أخيها غير الشقيق. أما في مجتمعاتنا العربية الشرقية فإننا ما زلنا نتذكر العريس
يضربه أقرانه من الشباب ضربًا مبرحًا بعصي الخيزران قبل أن يدخل مباشرة إلى
مخدع العروس وليس من تفسير لذلك إ ّ لا الاقتصاص من العريس لقاء سلبه لحقوق
أقرانه من الشباب في عروسه. ولعل بعض العادات التي ما زالت سائدة حتى اليوم من
مثل استئذان الرجال الأقربين في تزويج الإبنة لرجل من غيرهم أو الهدايا التي يقدمها
العريس إلى أقرباء العروس ليست إ ّ لا بعض الآثار البعيدة لإباحية الأشكال الأولى
للعائلة وحقوق الرجال في كل أنثى فيها .
السؤال المفصلي الآخر هو متى وكيف تحوّل المجتمع من مجتمع
يش ّ كله " حق الأم " إلى مجتمع يش ّ كله "حق الأب " من المجتمع الأموي )
إرتقى وعي الإنسان لدرجة ؟؟ ( Patriarchal ) إلى مجتمع أبوي Matriarchal )
أخذ معها يستخدم الأداة بفعالية أولية تمكنه من إنتاج وإعادة إنتاج قسم من غذائه وكسائه
ومأواه. لكن هذا لم يكن كافيًا لتغيير المجتمع الأموي إلى مجتمع أبوي. ظل
هو العامل الأهم في إنتاج الحياة. دخل الإنسان في الحضارة (Propagation) التناسل
الرعوية وتقدم في تربية الماشية وتنمية قطعان الأغنام لكن كل ذلك لم يدعم الرجل
في خلافة المرأة في السيادة أو في الحق المطلق وذلك لأن الرعي وتربية الماشية لا
كبيرة ولا يستهلكان إ ّ لا قوة عمل عدد محدود (Man Power) يحتاجان إلى قوة عمل
لم (Live Stock) من رجال العائلة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الماشية والأغنام
تكفِ لإنتاج كل احتياجات الإنسان للغذاء فظل يعتمد في حياته على الإلتقاط بدرجة
40
كبيرة. وبذلك ظلت المرأة العماد الأول والرئيسي لإنتاج الحياة فاحتفظت بالحق المطلق
في العائلة .
الذي امتد آلاف السنين نجح الإنسان (Paleolithic) في العصر الحجري الأول
في استخدام الحجارة لصناعة بعض الأدوات الحادة مثل النصل والفأس كما صنع بعض
الأدوات البسيطة الأخرى من الأغصان والخشب والعظام، واستعمل أيضًا صوف
الحيوانات وجلودها في الكساء وفي أغراض أخرى. مع بداية هذا العصر بدأ
الإنسان رحل ً ة لم ولن تنتهي، بدأ في إنتاج الحياة من خارج ذاته أي من خلال
كما كان الحال (Propagation) وليس من خلال التناسل (Production) الإنتاج
قبل ذلك. ليس من شك في أن الإنسان استطاع من خلال هذه النقلة النوعية أن يحسّن
من قدراته في مواجهة الطبيعة فزاد بذلك من أعداده ومن طول بقائه قبل أن يموت .
وهكذا استجد أمران هامان في ذلك العصر : فالإنسان ومن خلال وعيه دخل في
تناقض جدلي متزايد الاتساع والحدّة أبد الدهر دون توقف مع أدوات الإنتاج البسيطة
الطارئة عليه، هذا التناقض الذي يعتبر الآلية الوحيدة لنمو الوعي لدى الإنسان. والأمر
الثاني هو أن الأعداد المتزايدة لأفراد المستعمرة البشرية الواحدة جعلت من الحاجة
للغذاء حاجة ملحة تستحث كل قوى الإنسان على تلبيتها. هذا ما مهّد الطريق أمام
الإنسان للقيام بأول ثورة تقنية كبرى في التاريخ أهّلته للعبور إلى العصر
حدث هذا قبل عشرة آلاف عام تقريبًا . . ( Neolithic ) الحجري الثاني
أهم ما نجم عن تلك الثورة التقنية هو معرفة زراعة البذور واستنباتها فكان ذلك
الخطوة المهمة الثانية بعد تربية الماشية والأغنام باتجاه إنتاج وإعادة إنتاج الحياة. لكن
لم تكن حدودها تتعدى مساحة الأرض الصغيرة (Horticulture) تلك الزراعة
المحيطة بالمسكن نظرًا للفقر في الموارد والأدوات. وبذلك ظلت المرأة الأم غير
المتزوجة ( زوجة الجميع) تقود العمل وتنزل منزلة الرب الوحيد للعائلة. ولأن المرأة
41
بحكم وظيفتها الطبيعية هي المسؤولة عن إنتاج الحياة وبالتالي حمايتها واستمرارها فقد
رأت في الزراعة وسيلة فعالة لتحقيق وظائفها والقيام بمسؤولياتها. لذلك بدأت تنتهج كل
الأساليب التي تس ّ خر كل قوى العمل المتوفرة لزراعة الأرض ليس بالبقول
والخضار فقط وإنما بالحبوب أيضًا بعد أن اكتشفت أن الحبوب لا تحتاج إلى وسائل
خاصة للحفظ وأنها ذات قيمة غذائية كبيرة. طموح المرأة للانتقال من
( Agriculture ) إلى الزراعات الحقلية (Horticulture) زراعة الحدائق
نجم عن إدراكها أن للحبوب دورًا هامًا في دعم وبقاء الحياة الإنسانية .
اجتذاب الرجل إلى العمل في الزراعة الحقلية تطلب من المرأة بذل جهد كبير امتد
لألف عام أو ألفين. وقد وصل بها الأمر إلى أن جعلت من زراعة القمح ديانة متكاملة
لها آلهتها وطقوسها وشعائرها حتى أن الأضاحي التي كانت تقدم للآلهة فيما سبق
أٌستبدلت بالقمح وهي التقدمة التي ما زالت جارية حتى اليوم في بعض العبادات كما في
الكنيسة الأرثوذكسية. وتذكر بعض الألواح الأثرية من سوريا أن إرساليات دينية نسوية
أشبه براهبات الأديرة كانت ترسل إلى البلاد المحيطة بسوريا للتبشير بزراعة القمح وقد
وصل بعض هذه الإرساليات إلى اليونان وأوكرانيا ونجحت في نشر زراعة القمح هناك
حتى قيل أن أسمي نهري الدنيبر والدون مأخوذان من الآرامية بمعنى الإله أو
السيد " دون " والقمح وهو " البُرّ ".
الزراعة الحقلية ليست كزراعة الحدائق التي كانت تقوم بها المرأة وحيدة؛ إنها
تحتاج إلى قوة عمل كبيرة أو حتى غير محدودة. كان على جميع الرجال القادرين على
العمل أن ينضموا إلى العاملين في زراعة الحقول. وكان تبعًا لذلك أن تضاعف الإنتاج
أضعافًا مضاعفة حتى غدا كافيًا لسد احتياجات جميع أفراد المستعمرات البشرية آنذاك
وم ّ كن الإنسان من التكاثر والانتشار أكثر فأكثر. نموذج الإنتاج الجديد والذي اختص
بالرجل دون المرأة عمل بما حققه من وفرة على قلب المعادلة القائمة بينهما منذ بداية
التاريخ. انتقل مركز الإنتاج من المنزل والحديقة إلى الحقل فانتقل وبذات
42
“Father Right الإتجاه "الحق" من المرأة إلى الرجل وحلّ " حق الأب
بناءً على هذا الانتقال أخذ الرجل يتزوج من . “ Mother Right محل " حق الأم
عدد من النساء يمتلكهن ويحرِّمهن على غيره من الرجال كيما يضمن أن يكون
مواليدهن أبناءه بالدم ومن صلبه طالما أن هؤلاء سوف تعتمد حياتهم كليًّا على إنتاجه
هو فقط. وبناءً على هذا الحق تش ّ كلت عائلة الأب التي حّلت محل عائلة الأم، عائلة
الأب التي تشكلت من الأب الأكبر أو الجد وأبنائه الرجال وأبنائهم .
" حق الأب " أو قوامة الرجل
منذ انتهاء الزحف الجليدي الأخير قبل خمسة عشر ألف عامًا تقريبًا وتش ّ كل
المستعمرات البشرية الأولى ، منذ ذلك التاريخ وحتى الألف الخامس قبل الميلاد ، أي
لثمانية آلاف عام كانت القوامة داخل العائلة خلالها للمرأة أو الأم وكانت عائلة الأم
تتشكل من الأم الكبرى أو الجدة وبناتها الأمهات وحفيداتها منهنّ . وكان الرجال في هذه
العائلة بلا أسماء وبلا وظائف معروفة إذ لم يكن معروفًا قبل التاريخ أن المرأة لا تنجب
بدون رجل. السبب المباشر لاندثار "حق الأم" ومعه عائلة الأم هو زراعة القمح
والزراعات الحقلية، أي انتقال مركز الإنتاج من المنزل والحديقة إلى الحقل. الأم التي
بذلت جهودًا جبارة خلال ألفي عام كي تسوق الرجل مكرهًا للعمل في زراعة الحقول
والقمح على وجه الخصوص لم تكن تعلم بالطبع أنها بذلك إنما تحفر قبرًا أبديًا لحقها
المطلق ولقوامتها. أرادت خيرًا للإنسان، لتكاثره وبقائه فلما تحقق ذلك وإذا به شر
ووبال عليها. لقد أطاح بها إلى الدرك الأسفل إلى حيث كان الرجل فيما مضى، الرجل
تبدلت عائلة . (Father Right ) " الذي احتل منزلتها الرفيعة وأسس لِ " حق الأب
الأم بعائلة الأب وتبدل بذات الاتجاه الاعتقاد الخاطئ القديم القائل بإمكانية المرأة من
الإنجاب بدون رجل باعتقاد خاطئ أيضًا يقول بأن الأم إنما تستضيف ما يزرعه الزوج
في رحمها ولا تضيف إليه شيئًا من عندها حتى يخرج وليدًا كامل الخلقة. وبالطبع فإن
43
مثل هذا الاعتقاد الخاطئ يستهدف قبل كل شيء حرمان الأم من أي علاقة دم بأطفالها
وإنكار كل حق للأم في عائلتها .
المهتمون بقضية المرأة وبتحريرها لن يستطيعوا أن يساهموا بشيء ما لم يدركوا
تمامًا وبالتحديد الأسباب الحقيقية لانحطاط المرأة، لفقدانها الحق المطلق الذي تمتعت به
قبل نحو سبعة آلاف عام. كان السبب المباشر لذلك زراعة القمح وانتقال مركز الإنتاج
من المنزل والحديقة إلى الحقل الأمر الذي عنى أن الرجل قد غدا المنتج الأكبر للحياة
فحاز بذلك على الأسبقية والقوامة. خطورة هذه الحقيقة هي أنها تشكل البذرة الأولى
لقانون القيمة البورجوازي الرأسمالي. قيمة إنتاج المنزل منسوب ً ة لقيمة إنتاج الحقل،
إنتاج المرأة لإنتاج الرجل. يصر البورجوازيون على تسعير كل شيء حتى الإنسان
نفسه. كيف يمكن مقارنة الإنجاب بإنتاج الحبوب ؟ البورجوازيون يفعلون ذلك ! وثمة
ما يسترعي الانتباه في اللغة الأقرب إلى لغة السوق وقانون القيمة وهو أن كلمة
وتعني الشغل أو العمل المبذول في الإنتاج تستخدم أيضًا لتعني المخاض (Labour)
أو الجهد الذي تبذله الأم في الولادة. ولما كان الإنجاب لا يعطي ذهبًا بعكس الحبوب
فإن الرجل هو من يسوى وليست المرأة وأن الأب هو صاحب الحق المطلق بعكس الأم
التي يجب أ ّ لا تتمتع بأية حقوق .
سينكر الكثيرون أية علاقة لقانون القيمة بتدهور منزلة المرأة بحجة أن قانون
في القرن (Bourg / Borough) القيمة لم يتشكل قبل ظهور المدن البورجوازية
الثالث عشر للميلاد. صحيح أن قانون القيمة لم يتشكل بصورته الحالية الفاعلة المعروفة
إ ّ لا بعد ظهور المدن البورجوازية لكنه لم يكن غائبًا في المبادلات العينية. لقد كان يعمل
في الأعماق وتحت السطح حين كان يتبادل الناس منتوجاتهم ثوب بإردب من القمح
أو إردبّين من الشعير أو برأس من الغنم. إن مجرد عقد مقارنة بين إنتاج المرأة ويتركز
في إنجاب الأطفال وتربيتهم وإنتاج الرجل ويتركز في إنتاج السلع في الطرف الثاني من
المعادلة، مجرد عقد هذه المقارنة يعني الاعتراف الضمني بقانون القيمة. ثم ليسأل
44
هؤلاء الذين ينكرون أثر قانون القيمة في تدهور منزلة المرأة، ليسألوا أنفسهم عن أسس
القوامة الفعلية وليس القانونية أو الشرعية للرجل في العائلة العصرية. أليست هي إنتاج
الرجل بالقياس إلى إنتاج المرأة ؟ يخرج الرجل كل يوم من بيته ليخلق قيمة مضافة
جديدة في حين تبقى المرأة في البيت لتقوم ببعض الخدمات متدنية القيمة حتى وإن
خرجت فإنها لا تنتج بالمتوسط بمقدار ما ينتج الرجل. ولعل متوسط أجور الرجل قياسًا
لأجور المرأة في السوق الرأسمالية التي لا تهمل أي قدر من القيمة مهما كانت تافهة
خير برهان على ذلك، وهل يمكن تصور رجل غير منتج إطلاقًا يحتفظ بقوامته الفعلية
لا القانونية أو الشرعية على زوجته المنتجة التي تعيله وتعيل أبناءه .
النساء اللواتي تقدمن للعمل العام في سبيل تحرير المرأة يرفضن رفضًا مطلقًا
حقيقة عدم التساوي بين الرجل والمرأة. وهنّ بهذا الموقف يسئن لأنفسهن وللمرأة
وقضيتها. في الأصل تخّلق الإنسان في جنسين غير متساويين ولو أنهما متساويان لما
تخّلقا في جنسين. إن المرأة تساوي الرجل إنسانيًا فقط أي أنها إنسان كما يكون الرجل
تمامًا. والإنسانية ليست الرجال وحدهم وليست النساء وحدهنّ. إنها الرجال والنساء على
قدر متسا ٍ و. أما ما عدا ذلك فلا يجوز مقارنتهما لأنهما من جنسين مختلفين أص ً لا ولكل
منهما وظيفته الحياتية المختلفة. لكن منظومة القيم البورجوازية لا تتضمن القيمة
الإنسانية التي لا تقبل العرض في السوق. وليس من أحدٍ عبّر عن هذه الحقيقة كما فعل
الشاعر الإنجليزي شكسبير عندما قال على لسان أحد أبطاله .. " أيها الذهب يا قوّاد
العالم البشري ! ". فقط في تجريد المرأة والرجل من إنسانيّتهما يمكن البحث عن سويّة
كل منهما. هل المرأة تساوي الرجل في سوق السلع بعد هذا وكما يسألن ويجبن
المدافعات عن "حقوق " المرأة ؟ الجواب الصحيح لخيبة أمل هؤلاء المدافعات هو
النفي. ولعلنا لسنا بحاجة إلى إثبات ذلك. ففي سوق العمل وهي المقدّر الأد ّ ق للقيمة لا
تتساوى الأجور حيث أجور الرجال هي دائمًا أعلى من أجور النساء. وإذا كانت القيمة
هي التعبير السليم عن الجهد المبذول فليس من شك في أن جهد الرجل هو دائمًا أكبر
45
وأوسع من جهد المرأة وليس أدل على ذلك من الألعاب الأولمبية حيث دائمًا ما تكون
الألعاب الخاصة بالرجال أصعب بكثير من نظيرتها الخاصة بالنساء. وإذا كان الجهد هو
التعبير الحي عن كمية المواد الغذائية المحترقة في الجسم فثمة فرق كبير بين ما يأكله
الرجل وما تأكله المرأة يوميًا. رغم كل هذه الحقائق فإن المدافعات الفاشلات عما يسمينه
بحقوق المرأة ما زلن يصررن على الإدعاء بمساواة المرأة للرجل حتى وإن أدّى بهنّ
هذا الإصرار إلى تسليع المرأة إما عن طريق تجاهل القيمة الإنسانية لعمل المرأة
بالإنجاب وهو الوظيفة الأولى والأهم للإنسانية ولكل الكائنات الحيّة، وإما عن طريق
عرض هذا العمل المقدس في السوق لتسعيره. وحجتهن الأخيرة بهذا الاتجاه هو أن
التقنية الحديثة قد جعلت من دور قوة العمل في الإنتاج دورًا ثانويًا تمامًا بالقياس إلى
دور قوة المعرفة وأن المعرفة لدى المرأة لا تقل عنها لدى الرجل. يخطئن هؤلاء
المجندات الرثات في جيش المرأة مرّتين في هذه الحجة. فقوة المعرفة لن تأخذ دور قوة
العمل في الإنتاج. إن أقصى ما يمكن أن تقوم به المعرفة هو تسهيل عملية الإنتاج
وبالتالي زيادة الإنتاج لكن الإنتاج كله وبلا استثناءات تذكر سيظل مساويًا لقوة العمل
ولن ينطوي على أية قيمة للمعرفة. وأما الخطأ الثاني فهو أن المعرفة لدى المرأة لن
أكبر (Potential) تكون مساوية لها لدى الرجل . تخّلق جسم الرجل بقدرة
منها في جسم المرأة ، فلماذا يكون إذًا جهازه العصبي بالتحديد غير متناسق مع الأجهزة
الأخرى في جسمه وبقدرة أقل ؟ .. أو أن يكون الجهاز العصبي في جسم المرأة بقدرة
أكبر من الأجهزة المرافقة الأخرى ؟ ثم إن الوعي من جهة أخرى كان قد طرأ في
الإنسان مع استخدام الأداة وازداد وتطور من خلال التناقض الجدلي الذي لم ولن ينقطع
مع أدوات الإنتاج. ولما كان الإنتاج من اختصاص الرجل وأن الأدوات ظلت شغله
الشاغل طيلة التاريخ فإن الوعي وهو من خصائص الجهاز العصبي لن يكون لدى
المرأة وهي المعزولة طيلة التاريخ عن الإنتاج وأدواته مساويًا له في الرجل. صحيح أن
التعليم والتعلم ذو أثر حاسم في الوعي وفي المعرفة إ ّ لا أن مستقبلات التعليم والتعلم
46
ليست في كلا الجنسين بذات المستوى من التأهيل. فالرجل اضطر للتعلم منذ بدابة
التاريخ بينما لم تضطر المرأة له حتى اليوم .
ما يؤكد الاختلاف التام بين الجنسين هو التقسيم الطبيعي والتاريخي للعمل .
للإبقاء على النوع. (Propagation) فالطبيعة خصّت المرأة بوظيفة الإنجاب والتكاثر
ليس من شك في أن غريزة بقاء النوع هي من طبيعة الرجل أيضًا لكن ليس لدرجة أن
تكون وظيفة كما في طبيعة المرأة. وظيفة الرجل على هذا الصعيد وفي هذا الاتجاه هي
الإنتاج المادي والسلعي وهذه الوظيفة لا ترقى أبدًا لمستوى وظيفة المرأة بدليل أن
الرجل لم يبدأ وظيفته إ ّ لا متأخرًا ومتأخرًا جدًا أي قبل سبعة آلاف عام فقط وبعد أن
مرّت ملايين السنين قامت الأم خلالها بوظيفتها وحيدة تقريبًا على خير وجه وفي
أصعب الظروف. لقد فرضت طبيعة الخلقة وظيفة مختلفة لكل من الجنسين بحيث لا
يمكن تغييرها أو مبادلتها. إن عدم التساوي بين الوظيفتين هو من صلب الطبيعة ولذلك
فإن أي حديث عن التساوي بين الجنسين ليس إ ّ لا محض وهم وهراء. لكن عدم التماثل
وعدم التساوي بين الوظيفتين يجب أ ّ لا ينعكس في قوامة أحدهما على الآخر وذلك بسبب
إنسانيتهما بالتحديد .
قضية المرأة ما زالت أكبر من المرأة بل أكبر من المرأة والرجل معًا. يدعي
البعض أن المسألة يمكن أن تُحلّ بواسطة تشريع القوانين التي لا تميّز بين الجنسين بل
وتعاقب على التمييز. في البلدان التي كانت اشتراكية ميزت القوانين لصالح المرأة ومع
ذلك لم تستطع المرأة أن تنعتق من هيمنة الرجل. ليس من شك في أن المسألة تتعلق
بالتقسيم الأولي للعمل. ولما كان الثابت هنا هو الوظيفة الأولية للمرأة، وظيفة الإنجاب
والتكاثر والتي كانت قد أنزلت المرأة منزلة الملكة، فإن وظيفة الرجل هي المتغيّر وهي
السبب المباشر لوقوع المرأة في عبودية تاريخية للرجل. إذًا ربقة عبوديّة المرأة هي من
نسيج نموذج الإنتاج وعلاقات الإنتاج .
47
المرأة تهرب من مواجهة القضية الصعبة ألا وهي تفكيك نسيج ربقة عبوديتها من
خلال السعي المنهجي الجاد نحو بناء نموذج جديد للإنتاج وعلاقات إنتاج مناسبة. وقد
عبّرت إحدى مجندات القضية عن مثل هذا الهروب صائح ً ة… " حسنًا ولكن لتعطنا
القوانين حقوقنا الإنسانية ريثما يتم بناء نموذج إنتاج جديد وعلاقات إنتاج مختلفة " ! هذه
السيدة المجندة لم تكلف نفسها عناء تحديد الجهة التي ستشرع تلك القوانين التي ستعطيها
حقوقها الإنسانية! لا بدّ أن تكون تلك الجهة من خارج الطبيعة طالما أن أقوى قوى
الأرض لم تستطع رفع الحيف عن المرأة رغم كل القوانين التي سنتها بهذا القصد .
إن أسوأ ما في هروب المرأة من تناول قضيتها بجديّة ومواجهتها بشجاعة هو أنها
ونتيج ً ة لليأس والإحباط اللذين يتملكانها من جهة ولأنها لا تتنازل عن وظيفتها الطبيعية
في كل الأحوال وتحت كل الظروف من جهة أخرى فإنها لم تجد مناصًا سوى أن
ُترخص جسمها للرجل وتلجأ للإثارة الجنسية مستخدم ً ة كل الوسائل الإيجابية كالزينة
بكل صورها وأشكالها أو السلبية كالانعزال أو الاحتجاب. وهذا كله لا يصب في
صالحها لأنه يبقى في نهاية المطاف حقيقة واقعة تشير قبل كل شيء إلى ما آل إليه
جسم المرأة من رخص. وهو أيضًا يم ّ كن الرجل من التمّلص من مسؤولياته إزّاء أبنائه
ليلقي بالتالي بكل الحمل على المرأة الأم وهي أعجز من أن تقوم به وحدها. على مثل
هذه الصورة البائسة تبدو حالة الأسرة في المجتمعات الحديثة .
حل قضية المرأة وهي أصعب قضية واجهتها البشرية خلال تاريخها الطويل لا
يتمّ بالادعاء بالحق البورجوازي وكل حق هو حق بورجوازي الذي به تدّعي كل
النساء في مختلف التنظيمات والحركات النسوية بكل أطيافها. بل إن تأكيد الحقوق من
شأنه أن لا يُحسّن من أحوال المرأة إن لم يزدها سوءًا. حل القضية يتمّ فقط بإلغاء كل
الحقوق. فإذا كان الرجل يرى أن إنتاجه يسوى كثيرًا فعليه أيضًا أن يرى أن الإنتاج
الطبيعي للمرأة المتمثل بالإنجاب والتربية فقط ودون إنتاجها الآخر من الخدمات والسلع
يسوى كثيرًا أيضًا. ولئن رأى أن إنتاجها الطبيعي لا يسوى شيئًا فعليه أن يقبل إلغاء كل
48
قيمة لإنتاجه. هنا في الحالتين لا نجد مفرًا من إلغاء قانون القيمة البورجوازي
الرأسمالي. التقنية الرفيعة ونمو قوى الإنتاج من خلال قهر كل القوى المضادة والتغلب
على كل الصعاب على طريقها ومن خلال الاشتراك العام والواسع للمرأة في العملية
الإنتاجية، من شأن كل ذلك أن يم ّ كن البشرية من إلغاء قانون القيمة البورجوازي
الرأسمالي إلغاء تامًا. حضارة قانون القيمة عمّرت طوي ً لا وعليها أن تتلاشى فسبعة
قرون بل سبعة آلاف عامًا أكثر من كافية. قوى الرجعية والبورجوازية سوف
تسخر من أمنية بني الإنسان في إلغاء قانونها لكنها كانت قد سخرت أيضًا قبل وقت
غير بعيد من وصول الإنسان إلى القمر ومع ذلك داس الإنسان على القمر .

قضايا معاصرة " فؤاد النمري "

كما يقرّون ه و السلطة وا لسلطة المطلق ة ! الصراع بين السلطة الدينية والسلط ة
الزمنية هو صراع قدي م ق دم التاريخ . وهو أقدم من سائر الأديان السماوية ب ل إنه
وجد مع وج ود أول ف كرة دينية . فحسب ق راءات ع لماء الآنثروبولوج يا
عاش الإنس ان ملايين السنين ق بل أن تتطور عقد ته العصبية Anthropologists
ليبدأ فج ر وعيه الذي استغرق ثلاث ة ملايين سنة . كان الإنسان أو الأحرى الحيوان
الشبيه بالإنسان خلال كل تلك الأزمنة الطويلة يعيش على التقاط الحبوب والثمار في
الغالب وعلى الاف تراس في النادر أي أن الإنس ان لم يكن ينتج حيات ه. كان بلا عقل
كسائر الحيو انات الأخ رى التي لا تنتج حياتها . كان يعيش حياة القط يع ال ذي لا
يشكل مج تمعًا بأبسط صوره . وليس كل الحيوانات الشبيهة بالإنسان استطاعت أن تعبر
الفاصل الصعب بين الوعي واللاوعي . لا بدّ أن فصائل كثيرة من هذه الح يوانات لم
ومن (Survival) تستطع العبور فانقرضت. الوعي في هذه الحالة ساوى البقاء
المؤكد أن هذا ترتب على ضعف كلي للإنسان أمام الوحوش المعايشة له . فما كان
للإنسان إ ّ لا أن ينقرض كل يًّا أو أن ينجح في اكتساب وسيلة فع الة للدفاع عن نفسه
وحماية بقائه . لئن أفلحت بعض السلالات الشبيهة بالإنسان في الاهتداء إلى استخ دام
الحجر والعصا للحفاظ على استمرارها وبقائها فإن سلالات شبيهة أخ رى لم ت فلح
فانقرضت تب عًا لذلك . الاستخدام الفعال للعصا والحجر سمح للإنسان بالتكاثر وتزايد
أعداده لدرجة أن الغ ذاء المتيسر في الطبيعة لم يعد كاف يًا الأمر الذي حف ز الإنسان
الى اكتشاف وصناع ة الفأس الحج رية التي مكنته من توف ير صيد أكثر . ال فأس
الحجرية تؤش ر لبزوغ شمس الوعي لدى الإنسا ن كما يجمع علماء الأنثروبولوجيا .
هكذا بدأ الإنسان ينتج حياته باستخدام الآلة فافترق بذلك مساره عن مسار الحيوانات
الأخرى ومن تلك النقطة بدأت رحلته الإنسانية أو كما يصفها علماء الإجتماع رحلة
الإغتراب أي أن يخرج الإنسان من جلده متغربً ا. ما ي لزم تأكيد أهميته هنا هو أن
الآلة أو الأداة هي التي زرع ت الوعي في الإنسان وه ي أيضًا التي حفظته من
24
الإنقراض وهي كذلك التي شكلت وعاء الوعي لديه ال ذي لا ينفك يتسع بتطورها .
إنها محرّك الوعي.
بدأت الأ داة بسيطة بساطة الفأس الحجرية ومثلها بالطبع بدأ الوعي الإنساني بسيطًا
وأوليًّا. كان أي تطوير للآلة أو الأداة يستغرق الإنسان أزمنة طويلة قد تصل إلى ألوف
السنين. ومنذ أن بدأ الإنسان ينتج حياته بوساطة الآلة قامت في الح ال علاقةجدلية
أبديّة بين تكاثر الجنس البشري من جه ة ومستوى تطور الآلة من جهة أخرى . وما أن
تدخل هذه العلاقة في أزمة حتى يغيّر الإنسان في حياته وفي علاقته مع الآلة لينعكس
في نهاية الأمر ف ي إدخال بعض التطويرات على الآلة . في أول أزم ة كبرى نشبت بين
الإنسان والآلة ولا ب دّ أنها عمّرت طوي ً لا ظهر الإنسان الطفيلي الذي يعيش
على حساب الآخرين ويسلبهم حقوق هم في الغذاء وفي أشيائهم الأخرى . وهكذا نشأت
العبودية من باب تصريف الأزمة الحدّ من تكاثر الجنس البشري من جهة والعجز
عن إحداث تطوير ملموس في الأ دوات المستخدمة في الإنتاج من جهة أخ رى. انتشرت
العبودية طالما ظلت أدوات الإنتاج في تخ لف ولم تتجاوز ف عاليتها نشاطات الزراعات
وهكذا قبل ما يناهز الستين قرنًا بدأت تتشكل (Horticulture ) الصغيرة، البستن ة
المدن الممال ك أو مدن العبيد . مدينة العبيد هي مدينة تعود ملكيتها لأحد الطفيليين
السادة ، ي ملكها بما فيها ومن فيها ، هي كل مملكته وهو ملكها ومال كها. شواهد مدن
العبيد هذه ما زال ت قائمة حتى يومنا هذا من مثل برج باب ل وال بتراء والأهرامات
والكرنك والأكروب ولس والكولسيوم وغيرها . هذه الشواهد المعمارية الضخمة تعكس
أول ما تعكس الاستنزاف الوحشي للعبي د الذين أعتصر كل جهد فيهم لبناء معمار بتلك
الضخامة التي ت دل على الولاية المطلق ة والاستثنائية للسيد على ع بيده والتي تبدو
متجاوزة منطق الأشياء ، كما تعكس الاحتشاد الكثيف بمقاييس تلك الأزمنة لأع داد
العبيد في تلك المدن والمواقع ، ذل ك الإحتشاد الذي ما كان لي كون إ ّ لا نتيجة لسلسلة
حروب ناجحة يشنها سيد المدينة على مدن أخرى يسبيها ويستعبد أهلها .
25
هذه الصورة المستحضرة من أعماق التاري خ توضح لنا أن تطور وس ائل
الإنتاج في المدن الممالك قد عمل على تراب ط وتكامل مجتمعاتها وتعقيدها أي ضًا
بحيث أن ثقل الملك السيد بكل س طوته الفيزيائية لم يع د كافيًا لمعادلة ث قل المجتمع
الذي يحكمه . أمام هذه الإش كالية لم يكن أمام الملك السيد من حيلة أو وسيلة سوى
الإدعاء بأنه لا يملك قوىً فيزيائية فقط بل وفوق الفيزيائية أيضًا أي قوى غيبية لا
يملكها أحد س واه. كان عليه أن يدّعي الألوهية ك ي يتمكن من إصدار شرائع ذات قوى
قطعية ونافذة في كل ز وايا مملكته ويخضع لها كل رعاياه . الفراعنة أصدروا مثل هذه
الشرائع وحموراب ي أصدر شريعته المعروفة . في تلك المرحلة المبكرة من التاريخ
عرفت البشرية النظا م السياسي والإداري مزدوج السلطة ، السلطة الفيزيائية أوالد نيوية
والسلطة فوق الفيزيائية أو الدينية . بدأ هذا التناقض في الملك السيد ذاته فهو السل طان
مطلق السلطة وه و الإله الواحد الأحد في مملكة العبيد . مثل هذا الشكل من الملك الإله
كان لازمًا في بداية تشكل المجتمعات البشرية المتماسكة فهو النموذج القادر على تركيز
السلطة كيما يكون بإمكانها تنظيم المجتمع بل حتى دفعه في أحايين كثيرة إلى حرب
عامة ضد المجتمعات المجاورة ينهب ما فيها ومن فيها ويح ولهم إلى عبيد ويقامر في
سبيل ذلك بمصيره في أن ي كون أو لا ي كون. كانت مثل تلك الحروب ضرورية
فبمقدار ما كانت حاجات الملك وأعوان ه تنمو وتتزايد كان الشغل العام يقصر عن
تلبيتها وتقوم الحاجة إلى مزي د من العبيد الذين يستحيل توفيرهم إ ّ لا عن طريق نهب
الممالك المجاورة واستعباد كل أهلها وسبي نسائها وهنّ الوسيلة الوحيدة لتكثير العرق
والجنس. ونظرًا لأخطار الحروب على مصائر الناس فقد كان نفير ك ل حرب رسالة
جديدة من وراء الطبيعة أو دين ًا جديد ا . وليس غريبًا أن ينطبق هذا المعيار على
الرسالات السماوية أيضًا فالتوراة لم تخفِ بل أوضحت بكل جلاء أن رسالة النبي
موسى ( الشريعة ) إنما نزلت من أجل تجنيد بني إسرائيل في حمل ة حربية ضد
الكنعانيين في فلسطين , وقد كان ه ذا واضحًا في القرآن .. " إذهب وربك فقاتلا .. إّنا
26
هنا لقاعدون " . وجاءت رسالة عيسى المسيح لتجند اليهود في ث ورة ضد عبودية
روما وقد لّقب عيسى في حينه ِ ب " ملك اليهود " حيث أراد أن يبعث من جدي د
مملكة داؤود و سليمان , وحين أدرك فشل مشروع ه قال قول ته الشهيرة .. " جئت
لخاصتي وخاصتي لم تتبعني " ومن المعروف أن العبرانيين قاموا بعشرات الثورات
ضد روما منذ احتلال الرومان لفلسطين حوالي العام خمسين قبل الميلاد وحتى العام
73 بعد الميلاد حين هدم الرومان هيكلهم . أما الرسالة الإسلامية فسرعان ما تحققت
ببعدها ا لدنيوي وتم تحرير الطريق الرئيس ية للتجارة العربية ال تي تصل دمشق بمكة
وأواسط الجزيرة العربية وت لا ذلك الاستيلاء على طريق التجارة العالمية ما بين غرب
المتوسط وحدود الصين المعروفة ب " طريق الحرير " .
الازدواجية الظاهرية للسلط ة في ذات الملك اقتضت بالضرورة ازد واجية التبعية
. فكما أن للملك قصرًا يمارس منه سلطات ه الدنيوية فلا ب دّ أن يكون له بالت وازي
معبد تكرس فيه ذاته الإلهية . للملك الإله أتباع وخدم س واء في القصر أم في المعبد .
خدمه في القصر يح كمون بموجب س لطاته الدنيوية وخدمه في المعبد يحكمون
بموجب سلطاته ال دينيةوثمة تناحر بين هؤلاء وأولئك مع أن الملك هو ذاته الإل ه.
الخدم الدنيوي ون في القصر ينكرون على الخ دم الدينيين في المعبد أية ص ّ لاحيات في
الحياة الدن يا باعتبار أن الحياة ال دنيا شيء والحياة الأخرى شيء آخر ، ومثلهم يفعل
خدم المعبد محاجّين أن الملك الإله هو الأصل وليس الملك الإنسان.
منذ ذلك التاريخ الموغل في القدم تطور هذا التناقض الظاهري متساوقًا مع تنامي
الوعي الاجتماعي في خمسة أش كال مختلفة قبل أن يتلاشى نهائيًا تقريبًا في العالم
الحديث :
1. الملك الإله وهو الشكل الذي بدأ به تاريخ الحضارة . وتحدّر إلينا هذا الشكل
عبر التاريخ خاصة في شرق آسيا ولو بصورة باهتة فإمبراطور اليابان ظل شبه إله
حتى هزيمة اليابان في الح رب العالمية الثانية كما أن الدالاي لاما في التبت ه و
27
نصف إله . ومن المعل وم أن ملوك مصر من قدماء الفراعنة كانوا بمثابة الآله ة
للمصريين . كما أن بلقيس كانت ملكة وإلهة سبأ معًا
2. الملك النبي : فكرة الملك الإله كانت قد بليت أم ام الوعي الإنساني المتنامي
المبشرة (Monotheist) فانتشرت في العال م القديم مجموعة من الديانات التوحيدية
بوحدانية الله . لعل أولاها كانت ديانة أخناتون فرعون مصر في القرن الرابع عشر
قبل الميلاد أما أهمها فكانت الزرادشتيه والصابئة اللتين ما زال لهما أتباع في إيران
والعراق. إزّاء هذه الأفكار الجدي دة كان لا بدّ لفكرة الملك الإله من أن تنزل قلي ً لا
باتجاه أرض الواقع لتأخذ شكل الملك النبي المتصل دائمًا بالله . وهكذا كان جميع ملوك
اليهود أن بياء بدءًا بموسى مؤسس الديانة اليهودية ونبي الدولة اليهودية في القرن الثالث
عشر قبل الميلاد ثم يوشع فاتح فلسطين وكنعانيا ثم داؤود مؤسس أول مملكة إس رائيلية
ثم ابنه سليمان وعندما ظهر المسيح ع اد مشايعوه من اليه ود لاعتباره الملك الإله
وليس الملك النبي كداؤود وسليمان .
3. الملك الخليف ة : تراجعت الديانات التوحيدي ة الأول ى في العال م ل تح ل
محلها الرسالات السماوية الثلاث اليهودية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد
والمسيحية في القرن الميلادي الأول ثم الإسلام في القرن السابع للميلاد . من المعروف
أن ك ً لا من هذه الدي انات الثلاث كانت قد أقفلت الباب خلفها لتنكر النبوّة على كل من
يأتي بعدها . بذلك فقدت ف كرة الملك النبي شرعيتها ونزلت باتجاه أرض الواق ع مرة
أخرى لتأخذ شكل .. " الملك خلي فة الله في الأرض ". أول تجسيد لهذه الفكرة كان خليفة
المسلمين . اختلف التأويل في معنى ال خليفةإذا ما كان خليفة الله أم خليفة النبي إلا أنه
يظل في كلتا الحالتين أميرًا للمؤمنين لا يفصل بينه وبين الله سوى روح النبي الغائبة في
السماء . ظل الأمر كذل ك حتى حين لم يكن الخليفة سوى خليفة أبيه كما في العهدين
الأموي والعباسي وما بعدهما . انتقل هذا الشك ل من الدولة ، الإكليركية المظهر
البطريركية الجوهر ، إلى أوروبا المسيحية الكاثوليكية في الغرب خلال القرون الوسطى
28
حيث طغى هناك المظهر على الجوهر فأصبح بابا روما الحاكم الفرد لكل م مالك أوروبا
الغربية الكاثوليكية ، يعين أسقفًا في كل قصر لا يج رؤ أي مل ك على مخا لفته. ووصل
الأمر بالبابا إلى معاقب ة ملك إن كلترا بصورة مهينة وذلك بتوقيفه لبضعة أيام حاسر
الرأس حافي الفدمين تحت الثلوج المتهاطلة .
4. الملك ذو الحق الإلهي : كان يتصادف أحيانًا أن يشتد ساعد الملك لأسباب إثنية
أو اجتماعية غ ير دينية فلا ي عود بحاج ة إلى تبري كات البابا فيدّعي عندئذٍ أن الله
أعطاه الح ق في ال ملك وادّعاؤه هذا يستند إلى مفهوم ديني يقول بأن الأحداث لا
تحدث إ ّ لا بأمر من الله وما ارتقاؤه سدة الحكم إ ّ لا أحد هذه الأحداث . إنها إرادة الله التي
تتجاوز البابا ولا يجوز له التدخل فيها . لعل أول ملك استحضر مثل هذا الحق الإلهي
كان ول يم الفاتح . فعندما فتح إنكلترا عام 1066 إدّعى أن الله وهبه أرض إن كلترا
يتصرف بها كما يشاء ويهبها لمن يشاء .
5. ظهرت الإرهاصات الأولى لعصر التنوير في القرن الرابع عشر وانهارت
سلطة الكنيسة مع قيام حركة الإ صلاح الديني في القرن الخام س عشر . تراج عت
الفكرة الدينية في عصر النهضة وترس خ مكان ها المنهج العلمي التج ريبي. إزاء هذه
الثورة الفكرية خشي الملوك فقدان س لطانهم الذي استند حقوقيًا وأدبيً ا منذ البداية إلى
الفكرة الدينية . لم يكن أمام ه ؤلاء الملوك من مفر سوى الفصل بين هرمي السلطة
الدينية والسلطة الدنيوية فص ً لا تامًا با ستثناء الرأس حيث يجلس الملك فقط . الأمر كذلك
في إنكلترا حيث يجلس الملك على رأس السلطتين ومثله يجلس ملك مصر ورئيس
الجمهورية فيما بعد .
ظهرت فكرة السلطة الدينية مع بداية الحضارة أي قبل أكثر من ستة آلاف عام
ولم تبدأ بالانحسار بصورة ملموسة إ ّ لا في القرن السابع عشر. إستغرقها عشرات
القرون حتى تطورت فكرة السلطة الدينية نحو الواقعية عبرهذه الأشكال الخمسة
المتباينة. عمرها الطويل من جهة وتطورها باتجاه الواقعية من جهة أخرى يدللان
29
بصورة مقنعة تمامًا على أن فكرة السلطة الدينيةهي مجرد فكرة غير قابلة للتطبيق
بحال من الأحوال. فالدولة اليهودية لم تقم في فلسطين بفعل شريعة موسى حيث
كان العبرانيون قد خرجوا من مصر باتجاه فلسطين كما تحكي قصتهم قبل أن
يبشرهم موسى بشريعته. أما الإسلام فإنه ورغم الدفقة الروحية الكبرى التي أتى بها،
ولم يأتِ بمثلها دين غيره، لم يستطع تغيير طبيعة السلطة في الحجاز والتي كانت حكرًا
على الأمويين ثم ما لبثت طوي ً لا بعد موت النبي أن عادت إليهم. كانت سلطة الأمويين
قبل الإسلام سلطة تجارية أمراء رحلتي الصيف والشتاء وعادت سلطتهم بعد
الإسلام في دمشق سلطة تجارية أيضًا. أما العباسيون وقد اتجهوا إلى أن تكون
سلطتهم سلطة ثقافية فكرية قبل كل شيء آخر فإنهم سرعان ما فقدوها لصالح
الأعاجم من فرس وأتراك وغيرهم. أما سلطة البابا في أوروبا الكاثوليكية فلم تكن
تعبأ بالقيم الدينية اللهمّ حين تتمرد بعض الفئات ضد الكنيسة وسلطتها الزمنية
حينئذٍ فقط تهب الكنيسة لتعبئ كل طاقاتها ضد التمرد مهددة بالويل والثبور وعظائم
الأمور ومتهمة المتمردين بالكفر والإلحاد والزندقة. كان اهتمامها يتركز في أملاكها
الواسعة الشاسعة والتي كانت تزيد في كل مملكة عن مجموع أملاك الإقطاعيين، وفي
استغلال هذه الأملاك بما يعود بالريع الأكبر على البابوية. لئن كان الإقطاعيون يعطون
أعشار محاصيل الأراضي إلى الأقنان الذين يزرعونها فإن الكنيسة لم تكن تعطي
شيئًا. كانت تستعبد الرهبان الفقراء، تسخرهم في فلاحة وزراعة أملاكها الشاسعة
في كل أوروبا الكاثوليكية دون أن يكلفها هؤلاء الرهبان شيئًا يذكر خاصة وأنهم
يقضون عمرهم بلا عوائل إذ حُرِّم عليهم الزواج خشية الإعالة التي كانت ستقع على
الكنيسة. لم يكن غريبًا في مثل هذه الأحوال أن ينهض رهبان إنكلترا في ثورة عارمة
ضد البابوية شملت جميع الأبرشيات وانتظم رهبانها في حركة أطلق عليها اسم (
1214 1294 Roger Bacon اللولارد ) تجاوزت جرأة رائدها روجر بيكون
وأخذت تشكك ببعض المفاهيم الدينية الأساسية. كان الراهب بيكون قد أصدر
30
عام 1266 يقبل فيه بل يطالب بأن يحكم البابا العالم إنما بمنهج Opus Majus مؤلفه
علمي بعيدٍ عن الخرافات والأفكار التي لا تستند إلى حقائق الواقع المادي على
الأرض. إثر ذلك ظهر المصلح الديني المعروف جون ويكلف 1330 1384 الذي
شن هجومًا قويًا وشام ً لا على سلطة الكنيسة وشجع الملك على حرمان الباباوية من
جباية الضرائب من الشعب الإنكليزي .
انهارت سلطة الكنيسة في القرن الخامس عشر . إ ّ لا أن اكتشاف أمريكامن جهة
وحرب المائة عام من جهة أخرى عملا على تأخير نشر وإرساء المنهج العلمي في
الحياة العامة لما يناهز القرنين. في عام 1620 فقط أصدر فرنسيس بيكون
الذي أرسى المنهج العلمي Novum Organum مؤلفه الشهير Francis Bacon
التجريبي وهو المنهج الذي أصبح منذ ذلك الحين أسلوب البحث والتفكير في شتى
مناحي الحياة. وهكذا قادت البورجوازية الأوروبية ثورة ثقافية امتدت أربعة قرون بدأت
بروجر بيكون في القرن الثالث عشر ولم تنتهِ بفرنسيس بيكون في القرن السابع
عشر، ثورة امتدت عميقًا في البنية الثقافية واستطاعت أن تخلع بنية ثقافة العقيدة
والإيمان من جذورها وتستبدلها بالثقافة العلمية التجريبية والنقدية. لم تستكمل هذه الثورة
الأعظم في تاريخ البشرية دون دماء. لقد نزف الأوروبيون دماء كثيرة فيما يُسمى
بالحروب الدينية وفي الثورات البورجوازية التي تلتها وعلى رأسها الثورة الفرنسية
. عام 1789
موضوعنا هنا يتركز في نقطة رئيسية واحدة في غاية الأهمية وهي أن هذه
الحركة التاريخية التي أسست لعالمنا الحديث بكل نظمه ومفاهيمه لم تج ِ ر وفق عقيدة أو
عقائد مهما كانت توجهاتها، بل جرت تبعًا للحقائق المتجددة على الأرض. فمنذ القرن
الثالث عشر بدأت الطبقة البورجوازية الأوروبية الوليدة تقيم مدنها في الأراضي
المحررة من القارة وعملت هذه المدن في الإنتاج السلعي المادي لخير ورفاه الإنسان
من خلال تلبية احتياجاته المعاشية المتعددة وليس لتجسيد عقائده وكان الناظم لهذا

قضايا معاصرة "فؤاد النمري "


1
المقدمة
عزيزي القارىء ،
أرجو إعتبار الكتاب بين يديك صرخة إحتجاج قوية ضد إفتراس الإيديولوجيين
للمواطن العربي . أُبتليت الشعوب العربية بنكبات كارثية كثيرة لكن طاعون الإيديولوجيا كان
الكارثة الأعظم على الإطلاق حيث أنها أعطبت العقل العر بي وهو ما تسبب بالتالي بسائر
النكبات الأخرى.
يعمل الإيديولوجي عمل القاضي المرتشي الذي يقرر الحكم سلفًا قبل أن يدرس حيثيات
القضية، أو عمل دعيّ الطب الذي لم يدرس الطب بتاتًا ومع ذلك يسمّي المرض ويحدد العلاج
وهو لا يعرف كيف يفحص المريض . المفكرون العرب بوجه عا م مصابون بطاعون
الإيديولوجيا ولذلك قدموا مختلف القضايا المطروحة على الشعوب العربية من خلال منظار
إيديولوجي يرى الأشياء بالصورة المؤدلجة بإيديولوجيا الناظر وليس على حقيقتها . فقّلما تجد
مفكرًا عربيًا ليس لديه كل الأجوبة الجاهزة على كل المسائل الماثلة أو حتى تلك التي لم تمثل
بعد دونما حاجة منه لأي درس أو تمحيص، بل إنه يحرص كل الحرص أ ّ لا تبدر منه تلك
الحاجة طالما أنه يعتبرها عيبًا مشينًا للمفكر . إنهم يبيعون الأفيون لشعوبهم دون وخزة ضمير !
لكن من أين أتانا هذا الطاعون الفّتاك الملعون ؟
عندما فّتح الإنسان الأول ع ينيه على الطبيعة من حوله رآها ثابت ً ة وأن الثبات من
فطرتها وأن الحركة هي الإستثناء . تعذر عليه القبول بما لا ينتظم مع فطرة الثبات التي
إعتبرها القانون العام للطبيعة فطفق يبحث عن أساس ثابت للحركة؛ ولما إستحال عليه ذلك
بطبيعة الحال خرج من نفسه ومن الطبيعة ليعت قد بالثابت، أي أن ثمة قوة خفية من خارج
الطبيعة تحرك كل ما هو ليس ثابتً ا. من هنا وجدنا في الحضارات القديمة إلهًا خاصًا بكل
شيء متحرك للشمس إله، للقمر والنجوم إله، للريح إله، للبحر إله، للنهر إله وللغابة
إله..إلخ وبالطبع كان الإنسان يخشى هذه الآلهة ويقدم لهل الأضاحي مستهدفًا تحاشي غضبها
2
فكان قدماء المصريين يقدمون أجمل فتاة مصرية لإله النيل كي لا يفيض النيل عليهم
ويغرقهم؛ كما أن شيوخ القبائل فيما قبل المصريين في بعض مناطق الشرق الأوسط كانوا
يذبحون أبكارهم من الذكور فداء للقبيلة من غضب الآلهة وهذا ما همَّ بف عله إبراهيم الخليل . ما
زالت الأضاحي تقدم في مختلف الأديان حتى يومنا هذا.
هكذا تخّلقت البذرة الأولى للإيديولوجيا، التي جنينها فكرة الثبات والديمومة، في
مستنبت الفكر الديني لتشكل نسقًا من الأحكام تدور حول فكرة ظرفية لتنزع عنها شرط
الظرفية وتجعلها عامةومطل قة ومستقلة لا تخضع لأية شروط بما فيها قانون الطبيعة العام
للحركة، ميكانزما التطور وتقدم التاريخ.
إحتجاجًا على شروط الواقع المحيط يفتش الإنسان في مخيلته عن الصورة المثال من
الماضي ليتسمّر أمامها منبهرًا فيستنّ لها أحكامًا حصرية لا تتواءم مع ما يخالفها من ا لصور
الأخرى. هكذا هو الإيديولوجي، أصولي يجهد للعودة بمن حوله لأصل الصورة المتخيلة، أو
بعثي يجهد لبعث الصورة المتخيلة إلى الحياة من جديد . كلاهما يلويان عنق التاريخ ليكرر
نفسه وعبثًا يفعلان.
ليس عبثًا أن جميع الديانات التي عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل ظ هرت في
شرق المتوسط . لعل ذلك يعود إلى إعتدال المناخ وغنى الطبيعة مما يجعل إشتباك الإنسان مع
الطبيعة خفيضًا، بطيئًا ومتقطعًا الأمر الذي يتيح للعقل أن يتغرّب حتى إلى ما وراء الطبيعة .
لهذا تطبّع العرب بالأدلجة فمنهم من إكتفى بالأدلجة الدينية ومنهم من لم يكتفِ فتبّنى
إيديولوجيا دنيوية . باتوا يتناولون كل قضاياهم حتى المصيرية منها من خلال إديولوجيات شّتى
ليس منها ما هو إنعكاس لواقع حياتهم.
كان على الإنسان أن يقطع ملايين السنين في دياجير الجهل حتى كان هيجل وماركس
اللذان بددا عتمة الجهل وأشعلا نور المعرفة لتظهر الطب يعة مفطورة على الحركة وليس الثبات
الذي لا وجود له على الإطلاق وأن الأشياء، كل الأشياء على الإطلاق، المادية منها وغير
المادية، بوجودها وبصيروراتها، إنما هي الصراع الملتحم والمستمر دون إنقطاع بين النقائض
3
في ذات الأشياء . وهكذا إنهارت الإيديولوجيات بكل قواعدها الثابتة وغابت نهائيًا عن تعليل
الظواهر وتفسير الأشياء بوجودها . لقد قبر ماركس كل الفلسفات القديمة وجعل من المادية
الديالكتيكية القانون العام للحركة في الطبيعة والمنهج الوحيد المعتمد في شّتى مناحي الأبحاث
العلمية.
لذلك ، عزيزي القارىء ، سوف تجد مقاربات مختل فة تمامًا عما إعتدت في جميع
المواضيع التي إحتواها الكتاب والتي ، ربما ، تعصى على الفهم بدون الإنطلاق بداية من
التسليم الكامل بسلامة منهج المادية الديالكتيكية الذي يولي جل إهتمامه لقانون الصراع
الطبقي في المجتمعات، القانون الذي يسيء فهمه كل السياسيين والإيد يولوجيين وغالبية أدعياء
الماركسية والشيوعية . هم لا يرون منه إ ّ لا الإحتراب الطبقي مع أن الإحتراب ليس إ ّ لا
الصفحة الأخيرة من كتاب الصراع ومن لا يقرأ إ ّ لا الصفحة الأخيرة فلن يفهم من موضوع
الكتاب ما يمكنه أن يتحدثعنه . الصراع الطبقي بأبسط صوره هو كسب أسباب الع يش الذي
لا يتوانى فيه كل بني البشر . كلهم يخرجون من بيوتهم كل صباح إلى العمل وهذا بحد ذاته
الإعلان الأول لحرب الطبقات . يشتبكون مع أدوات إنتاجهم المختلفة جاهدين لتعظيم إنتاجهم
سواء عن طريق جهدهم الشخصي أو عن طريق تحسين أدواتهم . كل بني البشر يفعلون هذا
وبه يب لغ الصراع الطبقي أشدّه وليس بالإحتراب كما قد يفهم البعض حيث الإحتراب في نهاية
المطاف ليس إ ّ لا الخطوة الأخيرة نحو إنهاء الصراع . المجتمع ينتظم في وسائل إنتاج متباينة،
طبقة تملك المؤسسات وأخرى تعمل في المؤسسات، طبقة تملك الأراضي وأخرى تعمل في
زراعة الأراضي، و طبقة أخيرة تعمل في خدمة هؤلاء وأولئك . ما يحدد مردود إنتاج كل طبقة
وبالتالي إنتاج كل فرد هو السوق وهي أرض المعركة الحقيقية حيث تتنافس المنتوجات
بأنواعها وبأسعارها . الصراع الطبقي بأعنف أشكاله وأكثرها دموية يجري في السوق الحرة .
في السوق الحرة تمّ إبادة طبقات إجتماعية بحالها؛ فيها ُتنهش لحوم بني البشر حتى لا يبقى
منهم إ ّ لا الهياكل العظمية . بعد كل هذا الذي يجري حيًا أمام الأبصار يطلع علينا
الديموقراطيون الليبيراليون وكثيرون ممن ل ّ ف لفهم ليسبّوا الماركسية بمبدأ الصراع الطبقي
4
ويمتدحوا الديموقراطية الليبيرالية بم بدأ " السوق الحرة ". أي خداع هذا والماركسية تسبّ
الرأسمالية، واسمها بالتجميل الديموقراطية الليبيرالية، بالإثنتين معًا ، بالصراع الطبقي
وبالسوق الحرة !!!
وسائل الإنتاج بأدواتها هي ما ينظم المجتمع ويصوغ قوانينه ويفرز قيمه وأفكاره .
وسائل الإنتاج بأدواتها هي حياة الإنسان التي لا تحفل بأية معتقدات لا تحفل بها، أي بوسائل
الإنتاج وأدوات الإنتاج .
لزم أن أشير أخيرًا إلى أن القارىْ سوف يجد أكثر من فكرة وأكثر من واقعة تتكرر
بين موضوعات الكتاب أكثر من مرّة ؛ والقاعدة أن يؤخذ هذا مأخذًا على الكاتب والكتاب .
لعّلي أجد ع ذرًا في أن محتويات الكتاب وقعت في مواضيع مختلفة وكتبت مستقلة عن بعضها
البعض فكان الإستشهاد بواقعة معينة لا يستوجب بالضرورة عدم الإستشهاد بها في موضوع
آخر مختلف، لذلك أرجو المعذرة.
عمان الأردن فؤاد النمري
5
قضايا معاصرة
الفهرست
صفحة
"الحق" ليس إ ّ لا مفهومًا بورجوازيًا باط ً لا ................ 1
1 العلمانية أم الإكليركية ( أو الإمامة ) ................. 3
حقيقة قضية المرأة ................. 31
في المسألة القومية ................. 44
المشروع النهضوي أو الإحياء الوطني .................. 99
المشروع الإسلامي ومستنداته .................. 116
القضية الفلسطينية وتحولاتها ................ 141
6
" الحق " ليس إ ّ لا مفهومًا بورجوازيًا باط ً لا
بدأت فترة الجزر الثوري التي استغرقت كل النصف الثاني من القرن
العشرين وما تزال بسبب عنف انفجار الثورة المضادة في ألمانيا النازية
1933 1945 . وظهرت إرهاصاتها بتسلل التعفن إلى ر ؤوس قادة الثورة العالمية بدءًًا
بسوسلوف وخروتشوف ليفسد أول ما يفسد نقاء فكرة الثورة ويسمح تبعا لذلك بأن
تجري على ألسنة المرتدين والثوريين البورجوازيين تعابير رجعية أك ثر مما هي
جوفاء فاسدة من مثل " دولة الحق والقانون ".
قبل الشروع بفضح الخلل والخد اع اللذين ينطوي عليهما تعبير
" دولة الحق والقانون " سيكون مفيدا بل جوهريا تحليل مدلول " الحق " تحليلا دقيقا
وهو التحليل الذي يمس مسا عريضا ومباشرا سائر المفاهيم المركزية لدى المشتغلين
بالسياسة والعلوم الاجتماعية ومنها المفهوم العام للدولة وو ظائفها ولف حوى القانون
ومشروعيته.
يلزم التأك يد بداية ع لى أن " الحق " لن ت عرف حدوده إلا إذا عرف ت
حدود نقيضه " اللاحق " بوجوهه المتعددة المعروفة الباطل، الجور، الظلم،
العسف، القمع ...ألخ، وحين يتعذر معرفة أحد النق يضين تنتفي في الحال معرفة الآخر،
وبانتفاء أ حدهما ينتفي الآخر . ففي الحياة الوحشية ينتفي " الحق " و " اللاحق " على
الإطلاق إذ لا يمكن وصف افتراس الذئب للحمل بالعمل التعسفي أو بالطغيان طالما أن
مثل هذا الافتراس هو الوسيلة الوحيدة لإحقاق حق الذئب غير المشكوك فيه بالحياة
وبالبقاء وعدم الإنقراض . أما الحق القائل بحدود " لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم " فهو
حق غير ثابت على محور الحق/اللاحق إلا إذا دلت على حدوده دالة خارجة عن هذا
المحور ولا تنطلق من أي من طرفية ، حق الذئب من طرف وحق الحمل من طرف
آخر، بل من طرف ثالث غ ريب عن كل من الذئاب ومن الخراف . وبغياب تلك الدالة،
7
وهي تعسفية بكل المقاييس طالما أنها تغيّب تغييبا تاما ونهائيا حقوق الذئاب كما حقوق
الخراف، فمن العبث الحديث عن أية حقوق . لهذا تدجّن الخروف ليلغي حق الذئب
بافتراسه ويلغي بذات الوقت حقه هو بالعيش في القفار حيث تعيش الذئاب وبذلك انفك
الرباط الحقوقي بين الذئاب والأغنام انفكاكا تاما .
إن مفهوم الحق/اللاحق لم يظهر في المجتمعات البشرية إلا في مراحل متطورة،
مجتمعات توحدها شبكة تامة من علاقات الإنتاج، شبكة سداتها " حق
الملكية ". روبنسون كروزو مثلا الذي شكل مجتمع الفرد الواحدفي جزيرته النائية لم
يكن بح اجة لفهم الحق واللاحق ولم يرد في قاموسه حق التملك بالرغم من كل انهماكه
الإبداعي في حقل الإنتاج وقد بلغ تقسيم العمل فيه حد الكمال حيث لم يشاركه آخر
بإنتاج كل ما أنتج.
الصورة المثيولوجية الناطقة التي رسمتها الأديان السماوية للحياة الدنيا والحياة
الآخرة استوع بت جميع أبعاد التناقض الحق/اللاحق أو الحق/الباطل . ففيها الحياة الدنيا
حياة باطلة ، فانية وعابرة وذلك لأن هذه الحياة قامت أصلا على وحدة النقيضين ..
الحق/ الباطل الحسنة /السيئة الصالح /الشرير والصراع بينهما . ولأن هذا الصراع
باطل بنقيضيه، الحق باطل واللاحق با طل كذلك، وصفت الحياة الدنيا بالبطلان . كما أن
الحياة الآخرة الأبدية غير الباطلة لا تبدأ إلا حال انفكاك النقيضين عن بعضهما انفكاكا
لحظيا كيما يوضع كل واحد منهما في كفة ليتثاقلا على ذراع واحدة فلا يوزن أحدهما
إلا بالآخر ثم ي ستحيلان بذات اللحظة إلى العدم، العد م المطلق ، فتدخل الأنفس دار النعيم
أو دار الجحيم حيث تتحرر هناك من كل معايير الدار الفانية إن بجهة الخير أم بجهة
الشر إذ ليس في دار النعيم أو في دار الجحيم أي أثر للحق أو اللاحق طالما قد يتواجد
في دار النعيم بعض الأنفس التي كانت قد حملت في الحياة الدنيا ثق لا من الخطايا يفوق
عما حملته بعض الأنفس في دار الجحيم، والعكس صحيح . في هذا التصوير الحي
لوحدة التناقض صورة موازية لبطلانه.
8
الطبيعة البورجوازية الباطلة للحق تعكسها أيضا لائحة حقوق الإنسان التي توصف
عادة بالعادلة وتقف الع دالة عند حدود معانيها . فالحق بالقول ي غدو شرعيا فقط بعد التسليم
بشرعية الحق ( او اللاحق ) بمصادرة حق القول وبكم الأفواه . ثم إن اللائحة لم تحدد
مدى امتداد هذا الحق ولا وسائل تحقيقه معترفة بذلك بشرعية حق القول عبر الإذاعة
مثلا للسلطة المعادية لحق القول ومكتفية بشرعنة حق القول في زاوية مهجورة للم واطن
المقموع. وما يقال عن حق القول يمكن أن يقال عن سائر ا لحقوق الأخرى الواردة في
اللائحة. إن إعلان لائحة حقوق الإنسان موجهة بصورة رئيسية إلى السلطات المعادية
لهذه الحقوق وإ ّ لا لما كانت قد صدرت في الأصل.
الحق بالإطلاق ظهر في المجتمعات البشرية مع ظهور حق الت ملك فيها فكان هذا
الحق البش ع في وجوه عديدة هو الأ ب الشرعي لكافة الحقوق الأخرى .
قام ( حق ) فرد ما أو طائفة ما بامتلاك ممتلكات معينة وذلك فقط ليحرم أفرادا آخرين
أو طوائف أخرى من امتلاك هذه الممتلكات أو أي منها . هذا هو بالضبط الحق
البورجوازي الذ ي يلغ ي مباشرة ( الحق ) الإنساني. واندرج امتلاك قوة العمل التي هي
أخص خصائص الإنسان بالكم وبالكيف في رأس قائمة الحقوق البورجوازية ليعود على
المالك بالأجر المناسب . لكن الطبيعة البورجوازية لامتلاك قوة العمل لم تستطع قط
اختراق جدار الأ سرة فظل أفراد الأسرة يقتسمون أجر المعيل حسب حاجة كل منهم
ودون تحديد أية حقوق لأي منهم.
تشريع الحق البورجوازي انطلاقا من حق التملك ومنه امتلاك قوة العمل والانتفاع
بها أحدث أول شرخ في المجتمعات البشرية من خلال أول تقسيم للعمل ظهر في
التاريخ وهو تقسيم العمل بين الرجل والمرأة . وقام هذا ا لتقسيم بالدور الأساس في
رحلة عبودية المرأة . فالمرأة وبحكم تكويناتها الفسيولوجية والسيكولوجية غير قادرة
على القيام بدور إ نتاجي بالقدر الذي يقوم به الرجل . وبناء على هذه الحقيقة عمل الحق
البورجوازي على تخفيض مرتبة المرأة عن مرتبة ال رجل. ومن الجدير أن يشار في هذا
9
المقام إلى الإشكالية الصماء التي تقع فيها ع امة المنظمات النس وية الم دافعة عما
تسميه ( حقوق المرأة ). إن طرح قضية المرأة على هذا المستوى ، مستوى الحقوق ، ما
هو إلا تعبير عن جهل تام بجوهر القضية ونقص في الشجاعة الكافية للطعن في شرعية
" الحق البورجوازي ". أما تحقيق حقوق المرأة في ظل شرعية " الحق البورجوازي "
فلن يجديها فتيلا . لقد رأينا بلدانا كثيرة تشرع نفس الحقوق والواجبات لكل من الجنسين
ومع ذلك ظلت المرأة فيها موضع استغلال بشع يقوم به الرجل من جهة عامة والطبقة
المستغلة من جهة خاصة، مثل تدني الأجور والات جار بجسد المرأة . إن إختزال قضية
المرأة لتغدو مسألة حقوق مهدورة عمل معاد للمرأة نفسها حيث أنه يتضمن ولو بصورة
غير مباشرة التأكي د على حقوق الرجل والاعتراف بها ، و هذا أقصى ما يبتغيه
الرجل ليدفع ب المرأة إلى ما دونه. لذلك فإن المنظمات النسوية التي ترغب فعلا ف ي
تحرير المرأة تحريرا إنسانيا عليها أن تتقدم بجرأة إلى المطالبة بإلغاء كل الحقوق جملة
وتفصيلا ومنها بالطبع حق الرجل بامتلاك المرأة . على هذه المنظمات أن تكف عن
إدعائها الباطل بمساواة المرأة بالرجل ، المساواة التي لا تستدعي إلا احتسساب الحقوق
غير الم تساوية بف عل طبيعتها البورجوازية . القاعدة الأساس التي يبنى عليها وحدها
تحرير المرأة هي أن الإنسانية تتكون من جنسين لا تناقض بينهما سوى تناقض
الذكر/الأنثى اللاإنساني في الأساس والذي لا يحت مل المقارنة أو القياس بين طرفيه ؛
لذلك يجب أن يكون وجود كل من الجنسين وجودا حرا . كان حرا في الحياة الحيوانية
فيما قبل التاريخ وكذلك يجب أن يكون حرا في الحياة الإنسانية الراقية فيما بعد التار يخ
، تاريخ التناقضات الإجتماعية.
الشرخ الخطير الثاني الذي أحدثه تشريع الحق البورجوازي وما نجم عنه من
تقسيم للعمل الاجتماعي هو قسمة المجتمع إلى طبقتين متصارعتين طبقة صغيرة
تملك وطبقة كبيرة لا تملك . ومن أجل الحفاظ على موقعها الفوقي في المجتمع اتجهت
الطبقة الصغيرة المالكة إلى استغلال الط بقة الكبيرة غير المالكة مما إستوجب إهدار كافة
10
الحقوق البورجوازية للطبقة الكادحة ، ذات الحقوق التي مكنت الطبقة المست غلة ( بكسر
الغين ) من امتلاك ما تملك من وسائل استغلال وغيرها . فالحق البورجوازي ذاته
يقضي بأن ينال الأجير كامل أجره أو مردود عمله لكن المستأجر المالك للعبيد ،
للأرض ، للمصنع استطاع ويستطيع دائما أن ينقل المواجهة بينه وبين الأجير إلى
السوق الخلفية المواز ية المحمية من قبل السلطة حيث يتم انتهاك الحق البورجوازي
للأجير فيتخلى عن جزء صغير أو كبير من مردود عمله لمصلحة السيد المالك . ففي
السوق الرأسمالية الحرة مثلا يسود مبدأ الاحترام التام لحقوق الرأسماليين البورجوازية
(Production وتعرض منتوجاتهم باحترام متكافىْ لتعود عليهم بأثمانها الحقيقية
لكن هذه السوق (المحترمة) محرمة على العمال فهم لا يستطيعون عرض .Value)
قوة عملهم فيها وهي سلعتهم الوحيدة . السوق الوحيدة المتاحة لهم هي السوق الموازية
الخلفية الجائرة التي تشرعها وتحرسها الدولة بالقوانين والأنظمة . في هذه السوق
اللاإنسانية لا يجد العمال مهربا من التنافس في عرض قوة عملهم فيتبارون في التنازل
عن حقهم البورجوازي في الأجور لدرجة أن بعض الدول البراقة المظهر عملت على
تشريع حد أدنى للأجور .
في هذه الصورة الواقعية الدا مية والوحشية تبرز بصورة حادة فظاظ ة تعبير
" دولة الحق والقانون " .. حتى الحق البورجوازي اللاإنساني يداس وينتهك بقوة قانون
الدولة وبحم ايتها في السوق الخلفية الموازية، سوق العمل . بل ما هو أنكى من هذا هو
أن الاحترام التام الذي يتوفر لحقوق الرأسماليين البورجوازية في السوق الحرة لم يتأت
إلا من انتهاك حقوق ال عمال البورجوازية في السوق الخلفية الموازية غير الحرة . إنه
الوجه الآخر له .
السياسيون والمفكرون الاجتماعيون البورجوازيون لديهم شيء يدافع ون عنه دون
هوادةوباستمرار اسمه " دولة الحق والقانون ". إنهم يصرون على النظر إلى النصف
الظاهر من هذا الشيء رافضين الكشف عن النصف الآخر المستور كيلا يتبين الناس
11
حقيقة هذا الشيء بكليته وهو الذي لعب وما زال يلعب دورا خطيرا وحاسما في حياة
البشرية ورقيها الاجتماعي . لخيبة ظن هؤلاء المفكرين البورجوازيين فإن النصف
الآخر المستور يبين بشكل محسوس أصول وجذور ه ذا الشيء المسمى زورا
ِ ب " دولة الحق والقانون ". الأصول والجذور تتغذى تماما في تربة "اللاحق "
و"اللاقانون". فالدولة وبغض النظر عن طبيعتها هي الهيئة الموكول إليها تطبيق القانون
على جميع رعاياها والحفاظ دائما وأبدا على سيادة القانو ن. تبعا لذلك فإن منتوج الدولة
الرئيسي يجب أن يكون القمع . فالقمع هو الوسيلة الوحيدة لمعاقبة المخالفين للقانون
ولإعادة الخارج ين على القانون إلى مظلة القانون . وبافتراض أن قمع الخارجين على
القانون والمخالفين له هو القمع " الحق " فإن هذا القمع الحق لا يتم أصلا إلا من
خلال تنازل أفراد المجتمع جميعهم عن جزء من حقوقهم كالضرائب مثلا . وهذ ا
بحد ذاته هو عين " اللاحق ". فالدولة، أية دولة، هي قبل كل شيء وبعده أيضا ،
جسم طفيلي يعتاش على حقوق الأخرين الذ ين هم خارج هيئة أو هيئات الدولة . أما
القول بأن ثمة قمعً ا " حقًا " فهو قول لا يستقيم إلا بالتسليم بصحة الافتراض القائل أن
القانون، أي قانون ، هو قانون الدولة كما هو قانون الشعب بجميع أفراده دون استثناء ،
وهذا افتراض ليس مخالفا للنهج الديموقراطي في صياغة وتشريع القوانين فقط بل
ومرفوضا حتى من فقهاء القانون أنفسهم الذين يرون في القانون تجسيدا لمصالح
(عامة) وإلغاءً لمص الح (خاصة) . أما الدالة التي تحدد النقطة الفاصلة بين العام
والخاص فإن الطرف الذي يسن القانون والذي يعلن عن نفسه طرفا خارج يا مستقلا
تماما عن طرفي القانون، العام والخاص ، هو الذي يرسم الدالة ويحدد بالتالي النقطة
الفاصلة. بناء على هذه النظرة العلمية في فقه الق انون لا يكون القمع حقا إلا إذا كان
بمقدار أو بآخر " لاحقًا " .
ما قيل عن الحق يمكن أن يقال عن القانون ويزيد . فدائما ما يحدد القانون سلسلة
طويلة من ا لمفاهيم المتصلة به تحديدا دقيقا . إنه بذلك يرفض مفاهيم كثيرة أخرى منها
12
ما هو مجاور للمفاهيم المندرجة فيه ومن ها ما هو أقل تجاورا ومنها ما هو بعيد . وقد
يحدث أحيانا كثيرة أن المفاهيم والشروط التي لم يأخذ بها القانون وظلت خارجه
تستجيب لمصالح القس م الأعرض من المجتمع ومع ذل ك تبقى هذه المفاه يم
والشروط هي " اللاقانون ". فالدولة وهي تفرض القان ون هي بذات الوقت تف رض
" اللاقانون " بالاتجاه السلبي .
تعبير " دولة الحق والقانون " هو التجسيد الأبرز للتشويه والتزييف الذي لحق
بمفهوم الدولة. في هذا السياق تلح علينا ملاحظة لينين حين قال .. " ليس من مفهوم
جرى تشويهه أو تزييفه بصورة مقصودة أو غير مقصودة مثل مفهوم الدولة " .
حكومات الدول المتخلفة تحب أن تصف نفسها بأنها دولة الحق والقانون وأنها فوق
الطبقات. من المضحك حقا أن تكون هذه الحكومات على تعاستها هي أ صدق الحكومات
في مثل هذا الإدعاء ! فالمجتمعات في الدول المتخلفة لم تن م نموا طبقيا كافيا وذ لك بسبب
فقر وسائل الإنتاج لديها . ومن هنا فإن هذه الحكومات لا تنتمي إلى أي من طبقات
أو ما يشبه العصابة. أما أنها تعبر (Closed Circle) مجتمعاتها. إنها دائرة مغلقة
عن القانون الحق فذلك ليس صحيحا طالما أن هذه المجموعة من الرجال لم تنزل
من السماء بل قفزت فجأة دون سابق إنذار من إحدى الدوائر المعتمة في المجتمع
وبوسائل غالبًا ما تكون غير نظيفة وغير شرعية حتى بالشرع البورجوازي إلى دست
الحكم.
لا يجب أن نبالغ في السخرية من إدعاءات دول الدوائر المغلقة كونها من دول
الحق والقانون سيما وأن مثل هذه الإدعاءات المكشوفة إنما أطلقت من قبيل الدفاع عن
النفس . أما المثقفون ( الانتلجنسيا ) فإن دعواهم في البحث عن " دولة الحق والقانون "
يجب ألا تثير في نا الاستنكار فقط بل والسخط أيضا . الانتلجنسيا وبحكم دورها الاجتماعي
المأجور باستمرار لا تتورع عن أن تشوه الحقائق وتلوي رقابها كيما تسند طموحاتها
الدونكيشوتية. التجريد اللغوي والعربية من أخصب اللغات في التجريد تساعد
13
متثاقفينا بل تغريهم في الولوج في سفسطائيات جوفاء لا يخر جون منها قبل أن يفقدوا
رؤوسهم. فالحق في عالمهم السفسطائي يقابله " الحق المجرد " والقان ون
يقابله " القانون المجرد " وبذات التوازي يقابل الدول ة " الدولة المجردة " !! هكذا هو
خلق البورجوازي الوضيع فهو لا يخجل بعد تجريده من كل ما يستر عورته أن يخط
على قفاه " بورجوازي مجرد ". إلا أن جمي ع الدلائل حوله لا تقطع بصحة ذلك . فأي
حق ذلك الذي لا يشير إلى أية حقوق ؟! وأي قانون ذلك الذي لا يتحدث عن أية
محظورات وأية مسموحات ؟ ! وأي دولة تل ك التي لا تردع أحدا لتحمي الآخر ؟! .. حتى
إلى هنا يقودنا سقم السفسطائيين .
قام الحق بقيام الملكيةالفردية و بالتوازي سوف يختفي باختفائها . والانسان
المجرد من الملكية لي س له أو عليه أية حقوق أو واجبات . حينذاك سيموت الحق ويدفن
نهائيا ولا يبقى على وجه الأرض ما يذكر به حتى ولا ذلك التمثال الأصم الذي
نحته المثقفون وسموه " الحق المجرد " . الحق مثله مثل الضوء فكما لا يوجد في
الوجود ضوء مطلق كذلك لا يوجد في االحياة حق مطلق أو حق مجرد . كما أن العتمة
ليست هي الصفر الضوئي بل هي قيمة موجبة على مقياس الضوء . الصفر الضوئي
هو الظلام الكلي المطلق أي انعدام الضوء بصورة مطلقة وغيابه فيزيائيا.
مع بداية خمود شعلة الثورة الإشتراكية العالمية بعد إ نتصاف القرن العشرين بدأ
سقف ثورية المثقفين التقليدية في الانخفاض حتى بتنا نسمع منهم كلاما لا يقوله إلا
الرأسماليون وأنصارهم من مثل .. أن الدولة هي المؤسسة العامة التي يفوضها أفراد
المجتمع لحماية ملكياتهم والعلاقات ا لناظمة لها والمعبر عنها بقوانين . أي أن الشغيلة
الذين لا يملكون إلا قوة العمل في أبدانهم يفوضون الدولة لحماية م بادلة قوة عملهم
بأرذل سبل الع يش، بل إن العمال العاطلين عن العمل يفوضون الدولة بح ماية عطلهم ،
أي استمراره والذ ي هو من ضرورات النظام الرأسمالي !! مثل هذا الهذيان ليس قمينا
إلا بالازدراء . فمنذ أن حدد ماركس طبيعة الدولة وجوهرها مبينا أنها منظمة قمعية
14
تستبد بها الطب قة الحاكمة على الطبقات ا لمحكومة، منذ ذلك الحين لم يستطع أحد أن
ينقض أو يضيف إلى هذا المفهوم.
البورجوازية الوطنية عامة ومنها البورجوازيات العربية على وجه الخصوص
أفلست تماما سياسيا واقتصاديا حتى أنها باعت مشروعها الثوري رخيصً ا إلى البنك
الدولي والدول الإمبريالية الدائنة حين تأكد له ا الانطفاء الوشيك لشعلة الثورة الاشتراكية
العالمية. تحولت البورجوازية العربية الكبيرة إلى كومبرادور وضيع مطواع أما
البورجوازية الوضيعة، والمثقفون طليعتها ، فقد انسدت أمامها سبل التطور وأعيتها كل
حيلة سوى النفخ في قربة هي تعلم قبل غيرها أنها قربة مقطوعة م نذ أمد بعيد . هذه
القربة هي " دولة الحق والقانون ". هذا الجزء الرث من البورجوازية والذي أعجزه
فقره عن الانضمام إلى شريحة الكومبرادور العملاء ما انفك يحلم أنه عسى وبضربة
حظ أن يقنع الدوائر المغلقة الحاكمة بدعواه، دعوى دولة الحق والقانون ، فتفتح الباب
ولو مواربا أمامه لتسنح له الفرصة للانقضاض على السلطة أو حتى للاشتراك فيها
حبذا لو يقعد هؤلاء المتثاقفون صامتين لئلايسيئوا إلى أنفسهم وإلى غيرهم بل إلى
البشرية جمعاء من خلال ترويج دعاوى باطلة من أساسها .. هب أن طبائع الأمور
قد انقلبت تماما فقامت في العالم " دولة الحق والقانون " أفلا يعني ذلك سكون الحياة
المطلق ونهايتها . من سيسقط دولة الحق والقانون ؟ .. لا أحد بالطبع . إذا ستكون هذه
الدولة آخر دولة تعرفها البشرية. ستكون السجن الأبدي للإنسانية. ستكون الكارثة.
في حين يقبل مثقفونا بالدولة البورجوازية لا ب ل يأخذهم الحماس لتجميلها
بكل المساحيق التي ي عرفون من مثل "الحق " و "القانون " و "العدالة " و
"الديموقراطية" وغيرها، في حين يفعلون كل هذا فإنهم يملأون الفضاء بالزعيق
رافضين دولة الطبقة العاملة ويشنعون عليها بوصفها ب " التوتاليتارية "
و " الدكتاتورية ". يغضون النظر عن دكتاتورية الدولة البورجوازية مع أنهم أولى
الناس بتأكيدها إذ طالما عانت شعوب الدول المستعمرة والتابعة من اعتداءات الدول
15
الرأسمالية الموصوفة بالديموقراطية التي انت هكت سيادتها وداست على استقلالها . كل
ذلك لا يقطع بدكتاتورية الدولة الرأسم الية لدى مثقفينا فيزعمون أن دولة الرأسمالية
المتقدمة تبقى ديموقراطية داخل حدودها حيث لا غبار على سيادة القانون مثقفونا
بالطبع لا يعلمون أن أعضاء الأحزاب الشيوعية محرومون من الوظائف العامة في
كبرى الديموقراطيات الغربية مثل بريط انيا وألمانيا والولايات الم تحدة. بل إن نقابات
العمال في هذه الدول حتى تلك الموالية للسلطة منها تعاني كثيرا من مضايقات السلطة
بما فيها تبديل اللوائح والأنظمة . ولعلنا لا ننسى في هذا السياق تركيع عمال المناجم في
بريطانيا والذين يشكلون أ قوى النقابات على الإطلاق على يد المرأة غير الناعمة الليدي
ثاتشر.
أما التوتاليتارية أو الشمولية فهي قاسم مشت رك بين سائر أجناس الدولة . الفرق بين
توتاليتارية دولة العمال وتوتاليتارية دولة البورجوازية هو أن الأولى تحدد ل مواطنيها
كيف يعيشون وكيف يلبسون ، أين يسكنون وكي ف يعتنون بصحتهم ثم ماذا يتعلمون ! أما
الثانية فإنها تحدد لمواطنيها كيف يعيشون وكيف يموتون أيضا ، كيف يجوعون ويعرون
ويتشردون بلا عناية صحية وبلا تعليم ! الدولة البورجوازية تدعي أنها توفر لمواطنيها
تبعا لطبيعتها ( الديموقراطية ) كل الخيارات الحرة ، تلك الخيارات التي تندرج في
قائمتين متناظرتين : قائمة كيف تعيش مقابل قائمة كيف تموت . لئن كان مثقفونا
الرافضون لدكتاتورية البرول يتارياع لى جانب من الفطنة لدرجة اسقاط قائمة
" كيف تموت " من الخيارات الحرة فإن الفطنة تخونهم وهم يعتبرون قائمة " كيف
تعيش" هي فعلا من الخيارات الحرة . لئن كان هذا صحيحا فإن سوا د الناس في كبرى ما
يسمى بالديموقراطيات الغربية يختارون بإرادتهم الحر ة ألا يعيشوا حياة عائلية مكتملة ،
وأن الشباب فيها يختا رون قطع تعليمهم والانصراف للعمل ، وأن الكثير م ن النسوة
يخترن الاتجار بأجسادهن !! أما حرية الرأي التي يقدسها المثقفون فإنها تظل مقبولة
على الدولة البورجوازية طالما بقي الرأي الآخر محروما من وسائل النشر . إن أي
16
دراسة معمقة لنشاطات الدولة البورجوازية ولفعالياتها الظاهرة والخفية سوف تبين بكل
وضوح أن شمولية الدولة البورجوازية هي أ شمل بكثير من شمولية دولة العمال . إنها
تتسع حتى تشمل الفوضى ذاتها حيث أن فوضى الإنتاج هي خصيصة لازمة للنظام
الرأسمالي. كما أن دكتاتورية الدولة البورجوازية هي أكثر سطوة وعنفا من دكتاتورية
العمال. فالعنف الذي مارسه الحزب الشيوعي السوفياتي في العشرينات والثلاثينات من
القرن الماضي من أجل توطيد دعائم الدولة لا يساوي نقطة من م حيط من العنف الذي
مارسته الدولة البريطانية ضد مواطنيها حيث وصلت عقوبة الطفل الذي يخطف رغيفا
يسد به رمقه في القرن السابع عشر حد الإعدام أو في أفضل الحالات الن في النهائي إلى
القارة الأميركية.
يحذو مثقفونا حذو الإعلام الغربي فيس بوا دكتاتورية البروليتا ريا واص فينها بالدولة
الستالينية. تزييف هذه الشتيمة يتخفى بحقيقتين هامتين : أولاهما أن الدولة السوفياتية
بقيادة ستالين 1922 1953 كانت ف علا دولة دكتاتورية البروليتاريا . وثانيهما أن أداء
الدولة السوفياتية خلال النصف الثاني من عمرها 1954 1990 كان أسوأ إداء حت ى
انتهى بها إلى الإنهيار الكامل . لكن ثمة حقيقتين هامتين بالمقابل تكشفان زيف هذ ه
الشتيمة ومدى التضليل المقصود من ها. أولاهما أن النجاحات التي حققتها الدولة
السوفياتية بقيادة ستالين ما زالت مثار دهشة الأعداء قبل الأصدقاء ولم يكن سح ق ألمانيا
النازية أدعاها للدهشة . وثانيهما أن الدولة السوفياتية فيما بعد ستالين لم تعد دولة
البروليتاريا بل " دولة الشعب كله " كما أعلنت عصابة خروتشوف بريجينيف ذلك
بملء فيها.
ربَّ من يعتقد أن مفاهيم الدولة والحق والقانون ليست ذات صلة وثيقة بحياتنا
السياسية. على هؤلاء أن ينتبهوا إلى أن سوء ف هم هذه المحاور الأساسية في بناء
المجتمعات من شأنهأن يؤدي إلى أخطاء ذات تداعيات مصيرية . القوميون مثلا
ومثلهم الإسلاميون ما فتئوا يناضلون من أجل بناء دولة ذات م واصفات مطابقة تماما لما
17
يعتقدون، وما فتىء الإسلاميون يمهدون السبل ولو بقوة السلاح من أجل مبايعة
المسلمين جميعا لخليفة لا يضاهيه صدقا وعدلا وأمانة وتقوى إلا أبو بكر وعم ر بن
الخطاب أو عمر بن عبدالعزيز . هؤلاء واولئك لم يدركوا بعد أن الدولة لا تتشكل وفق
معتقدات معينة حتى ولو حمل مثل هذه المعتقدات كل الشعب . فالدولة لا تنزل من
السماء وفقا لوصفات مسبقة إنه ا تنبت من الأرض ونسيجها من عناصر تربة ت لك
الأرض. المصالح الحق يقية العظمى لهذا المجتمع أو ذاك، وليس أي شيء آخر ، هي التي
تشكل الدولة ، تشكل الحق وتشكل القانون .
18
العَلمانية أم الإكليركية ( أو الإمامة )
الحياة العرب ية بصورة عامة والح ياة السياسية منها على وجه الخصوص تترى
بالنقائض والمفارقات الغريبة والمضحكة حقًا. وأول هذه المفارقات هو قيام السلطات
الحاكمة بحماية الخطاب الدي ني وتوفير مظلة مناسبة تسمح له في كل الظروف
بالطغيان على سائر الخطابات الأخرى ؛ ويجب أ ّ لا يده ش المرء كون هذه الحماية تتحقق
بقوة القانون المسنود بالقمع الشد يد اللاإنساني واللارحماني . ظل الأمر كذل ك حتى بعد
أن انق لب الخطاب الديني خ لال العقدين الأخ يرين انقلابًا تامًا ليتج ه ضد حماته .
استمرار الحماية لا يُعقل أن يكون بفعل الاستطراد حيث كانت السلط ات قد و ّ ظفت
الخطاب الديني في الدفاع عن ولايتها غ ير الشرعية دائمًا وغير النظيفة في معظم
الأحيان. لا ب دّ إذًا من أن هذه السلطات غير الشرعية ما زالت تستفيد من هكذا
خطاب حتى وإن اتجه ضدها . ما يستحق التأمل طوي ً لا في هذا المقام هو أن مثل هذه
الحماية المشبوهة وغير الديموقراطية للخطاب الديني لم ت كن موجودة خلال الق رون
الثلاثة الأولى للإس لام حيث كان المف كرون والفلاسفة الع رب يبحثون ويج تهدون
بكل حرية ودون رقيب أو حسيب في كل أمور الدين دون استثناء حتى في طبيعة الذات
الإلهية. بدأ حظر ذل ك فقط حالما فقد العرب ال سيادة في بلادهم حين دخل الفرس
البويهيون بغداد فاتحين وأخضعوا العرب وخليفة المسلمين لتبعيتهم عام 946 م وحولوا
الخليفة إلى مجرد مفتى . ثم أخمدت الأنفاس تمامًا بعد أن ه زم الأتراك السلاجق ة
البويهيين واح تلوا بغداد عام 1055 م خاصة وأن هؤلاء السلاجقة هم من الس ّنة الذين لا
يحبذون الاجتهاد بخلاف الشيعة والبويهيون منهم . العرب هم أمة الإسلام وأهلهومع
ذلك لم يمارسوا التعصب الديني كما مارسه الفرس والأتراك وذلك لأن تأقلم ه ؤلاء
الأغراب في الإق ليم العربي كمدخل لح كم العرب لم يكن ميسورًا إن لم يكن مستحي ً لا
إ ّ لا من خلا ل الهويّة الدينية التي كانوا يغالون في التأكيد عليها من باب التعويض عن
19
خصائص الهوية الأخر ى المفقودة فيهم والمستحيلة عليهم . هكذا أغلق الغرباء باب
الاجتهاد الديني على العرب أو ً لا وعلى المسلمين من بعد منذ منتصف الق رن ال حادي
عشر للميلاد وحتى مطلع الق رن العشرين 1916 أي لعشرة قرون طويل ة وهو ما
زال مغلقًا بفعل الاستلاب .
والمفارقة ال ثانية ه ي أن أئمة الخ طاب الديني المس يس يؤسسون خ طابهم على
دعوى الديموقراطي ة والديموقراطية كما هو معروف ذات نس يج مخ تلف تمام
الاختلاف عن نسيج الخ طاب الديني . إن أيًا من هذين النسيجين لا يقبل الإلتحام أو
حتى مج رد التآلف مع النسيج الآخر، فكيف بأحدهما يُتخذ أساسًا للآخر ! ليس هذا إ ّ لا
من ألعاب الح واة ومع ذلك يحظى بموافقة وقبول جميع ا لسلطات الحاكمة في العالم
العربي! ولعل هذا القبول يندرج في إطار صيح ة الموضة الديموقراطية التي
تطلقها هذه الأيام ك برى الهي ئات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدول ي والبنك
والسوق الأوروبية المشتركة . (G الدولي ومنظمة ال دول الصناعية السبع الكبرى ( 7
هكذا تهرب هذه السلطات إلى الأمام ، تخشى المواجهة الحرة فتقوم بت كسير
القوانين وتعهير ديموقر اطيتها التي صنعتها بنفسها . لع لها تفضل تعهير
الديموقراطية في مواجه ة الإكليركيين دون العلمانيين عّلها تج د بين العلمانيين من
يشجعها ويصفق لها أو لعلها تحسب أن في مثل ه كذا مواجهة خطورة أقل على
مصائرها. لكن وبغض النظر عن كل هذا فأن يطالب الإكليركيون بنظا م إكليركي
على أساس استكمال العبادات هو مطلب له اع تباره أما أن ي طالبوا به على أساس
من الديموقراطية فهو أمر ليس في سياقه ومتناقض مع ذاته .
وأما المفارق ة الثالثة والتي تستدعي التفكير والتفسير أك ثر مما تستدعي
الدهشة والعجب فهي أ ن القرن العشرين كان بح ق قر ن الثورة والثوار ، فقد ش غلت
معظمه أع ظم ثورتين في تاريخ البشرية ألا وهما الثورة الاشتراكية والثورة الوطنية
ثم فج أة يتح ول ربعه الأخ ير إلى ع صر الرجعة، عصر الردة ، عصر ان هيار
20
الثورات – أمست الاشتراكية رزي ّة وأمسى الاس تقلال الوطني بلي ّة !! هذه حقيقة لا
مراء فيها ؛ لكن بالنسبة للإسلاميين فان هذا العصر، عصر ا نهيار الثورات تحديدً ا، هو
ذاته عصرالصحوة الإسلامية ! يحار المرء حول كيفية إدراك الإسلاميين لهذا التصادف
إن كان حقًا هو محض تصادف!!
الوقوف أم ام هذه المفارقات الغريبة الثلاثة أمر مفيد وضروري للوصول إل ى
المدخل الصحيح لمناقشة موضوعة العلمانية ، هذه الموضوعة التي أصبحت في عصر
الرِّدة الموضوع الأث ير لدى الخطاب المتأسلم قاف زًا بذلك قفزًة مشبوهة عن مختلف
قضايا الحياة اليومية لجماهير الشعوب العربية لا بدّ هنا من تذكير الذين ق فزوا مثل
هذه القفزة الدونكيشوت ية بأن معالجة قضايا الشعوب اليومية لا يمكن أن تتم إ ّ لا وفق
المنهج الع لماني طالما أنها تضع مصالح الناس المادي ة هدفًا لها . كما يستحسن في
هذا المقام أن نذكر بالتقدير أولئك الإسلاميين الذين أولوا قضايا شعوبهم كل اهتماماتهم
ونضالاتهم ونفروا من المبارزات الدو نكيشوتية التي اشتهر بها أئمة القنوات الفضائية
النفطية يحذروننا من أن العلماني ة هي أصل كل عّلة وداء وأن الإنفكاك منها هو
الحل، حل جميع إشكالات الحياة الدنيا!
ليس أكثر من باب الاحتجاج على دع اوى هؤلاء الأئمة المنتفخ ة ج يوبهم
بالبترودولارات نع ود إلى تفح ص دعواه م التي نؤكد أنها غير مستوفية للشروط
القانونية التي تجعلها مؤهل ة لأي اع تبارات جد ية. فالانفكاك من العلمانية يعني
مباشرة العبور إلى الإكليركية وإيلاء السلطة كل السلطة ل لإكليروس، رجال الدين أو كما
يصر المتأسلمون على تسميتهم " علماء الدين ". رجال أ و علماء الدين في تلك الحالة
سوف ينظمون كل أمور المجتمع لصالح هم هم وليس لصالح أي فئة أخرى ، لصالحهم
باعتبارهم على الأق ل خلفاء الله على الأرض . دولة كهذه لا تكون إ ّ لا علمانية أيضً ا
لكنها نفاقًا تتزيّا بزي الإكليركية أو الإمامة أو الخلافة وقد جربت الشعوب خلال
العصور المظلمة مثل ه ذه الأشكال من السلطة سواء في الغرب المسيحي أم في
21
الشرق المسلم فلم يرها أحد هناك إ ّ لا سلطة إقطاعية ولم يرها أحد هنا إ ّ لا سلطة أبوية
ريعية. دولة الأساقفة أو الأئمة تزعم أنها تقود قوى الإنتاج لمصلحة الله تعالى
والمؤمنين ل كن الله ليس بحا جة لأي من مخرجات الإنتاج وأما المؤمنون فليس من أحدٍ
من بني البشر يستطيع أن يصّنف ويدرّج ع باد الله حسب إيمانهم ويوزع بالتالي مجمل
الدخل الوطني ع ليهم وفق هذا التدريج . بل وحتى إن تيسر ذلك فأي حقٍ هو هذا
الحق الذي يُسلب المنتجون بموجبه من إنتاجهم كي يُعطى لمن لم ينتجه من
المؤمنين كما كان سيفعل عمر بن الخطاب حين وعد .. " َلئِن سّلمني ألله
َليَأتِيَّنَ الراعي نصيبه من هذا المال لم يعرق جبينه " لاحظ قال الراعي بدليل
الإنتاج وليس بدليل الإيمان . كان الإسلام أكثرالثورات التصاقًا بالمفاهيم الدينية لكنه مع
ذلك لم يستطع أن يش ّ كل طبقة جديدة تقود الم جتمع. اضطر مسلمو السقيفة لدى وفاة
الرسول أن يو ّلوا قبيلة قريش كل السلطة ( الخلافة في قريش ) كما كان الأمر قبل
الإسلام ثم ما لبث الأمويون أن استعادوا الزعامة في الجزيرة م ثلما كان عليه الحال قبل
الإسلام. خلاصة القو ل هو أنه ليس في الحياة نظام ح كم غير ع لماني. جميع
الأنظمة ع لمانية بمعنى أنها تح كم لمصلحة طبقة أو فئة في مجتمعها ولو أن كرت
ذلك. بعضها ينكر بحج ة العلماني ة والبعض الآخر بحجة اللاع لمانية، الإكليركية أو
الإمامة. جميعها تدير الدولة والمجتمع بحساب المصالح الحقيقية على الأرض وليس
غير هذه ال مصالح. ولعل المرء يستطيع أن يذهب أبعد من هذا فيدعي أن جميع
الأحكام التي يدمغها رج ال الدين على أنها أحكام سماوية إنما هي في ا لأصل
أحكام أرضية أوجدها الإنسان ، عرفها وطبقها قبل أن تتبناها الس ماء وتوصي بتطبيقها.
وليس أدل على ذلك من أن ش ريعة موسى هي ذاتها شريعة أخ ناتون أحد فراعنة
مصر 1350 1334 ق م وهو م عاصر للنبي موسى وقام بثورة دينية وأتى بدين
جديد هو أول دين توحيدي . وأن ما يدعى ب ( سرّ المعمودية ) المسيحي كان الصابئة
قد عرفوه قبل أن تكشف عنه ال سماء ليوحنا المعمدان بأم د طويل . بل حتى أن بعض
22
طقوس الع بادة من مثل الصوم والح ج إلى البيت الحرام كان الإنسان قد مارسها قبل
أن ُترسل إليه الرسالات السماوية . بناء عليه يكون تعبير "القوانين أو الأحكام الوضعية "
الذي يستخدمه كثيرًا رجال الدين تعبيرًا غير ذي دلالة حقيقية طالما أن الإنس ان كان قد
عرف جميع القوانين التي تبنتها السماء وأوصت بتطبيقها . ولذلك جاءت أح كام هذه
القوانين على درجات منها ما هو محرم ومنها ما هو غير مستحب و منها ما هو مسموح
كما جاءت ظرفية . فإبراهيم الخليل أبو الأنبياء تزوج من أخته غير الشقيقة سارة ومع
ذلك فإن المؤمنين يعتقدون بأن الله بارك في نس لهما من ابنهما اسحق مع أن
الرسالات السماوية ج ميعها حرمت الزواج من الأخت تح ريمًا قاطعًا واعتبرته من
الكبائر. كما أن الوحي القرآني المبكر لم يح رم تناول الخ مور بل حب ّذ اج تنابها
فقط. وكم من آية قرآنية عبّرت عن معنى " ما جئتك م إ ّ لا ما هو بين أيديكم "، وهو ما
يعني أن كل الأحكام الواردة في القرآن هي في أصولها وضعية قبل أن تكون سماوية.
تبيّن لنا مثل هذه الإضاءة الاستهلالية أن التناقض العلماني /الإكليركي إنما هو
تناقض ظاه ري خادع ولا ي قوم على أي أساس من الحقيقة . ولئن ج اء الدين
لخير الناس كما يتوافق كبار أئمة المسلمين فإن العلمانية ليست أكثر من منهج غايته
الأولى والأخيرة خ ير الإنسانية. أما حجة الإكليركيين بأن الإنسان لم يخلق على
الأرض إ ّ لا ليكرم الله في السماء فتبطلها حجة العلمانيين التي تقول أن الإنسان غير
المكرّم في الأرض لن يكون لديه ما يكرّم به الله .
لماذا إذًا يندفع الإكليركيون – من غير أئمة القنوات الفضائية النفطية بالطبع -
بإصرار عنيد إلى تأجيج الصراع مع العلمانيين ؟ يظن الإكليركيون أن الله أوكل أمر
هذا العال م إليهم قبل أن يغيب في السماء ، لهم وحدهم أن ينظم وه وف ق ما يرون ه
متفقًا مع ش ريعة الله التي هم بها أدرى . أما العلوم السياسية والاجتماعية
والاقتصادية فليس للبشرية حاجة بها بل إنها تفسد الأحكام الإلهية كما يرى
الإكليروس !! يقولون كل شيء وأي شيء ثم يقسمون بأن الله من وراء القصد والله